صدر مؤخرا (منذ أسبوعين) تقرير المعرفة العربي الأول في سلسلة من التقارير التي تعنى بحال المعرفة في المنطقة العربية، بهدف التعرف على الفرص والمخاطر التي تواجه المنطقة في اكتساب وإنتاج وإبداع وتوظيف المعرفة، باعتبارها أداة رئيسة للتنمية الإنسانية والنهضة. رصد هذا التقرير بين ثنايا صفحاته، حالة المعرفة العربية المتراجعة، وقدم رؤية لمحاولة تجاوز حالة التراجع المعرفي هذه في العالم العربي.

هذا العمل الكبير والجاد يستحق الإشادة، وتستحق دبي خاصة الإشادة على مثل هذا التقرير الذي يأتي ضمن سياق عمل مؤسسة طموحة في مجال دفع العمل المعرفي في العالم العربي، انطلقت من دبي وتحمل اسم شخص نكن له التقدير والاحترام، ألا وهو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الذي برهن على أن سموه ليس صاحب المبادرات الاقتصادية الكبرى وحسب، وإنما هو أيضاً صاحب المبادرات التنموية المتميزة، لا سيما في مجال دفع المعرفة في العالم العربي إلى الأمام.

ولكن، في هذا السياق، دعونا نتوقف قليلاً عند محور مهم، ألا وهو محور ما بعد التقرير. لقد قامت مؤسسة محمد بن راشد، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بدراسة حالة المعرفة في العالم العربي، وقدمت التصورات لتجاوز هذه الحالة، وتبقى المهمة الأصعب وهي مهمة التنفيذ. ولو كان الأمر يتعلق بدولة واحدة لكان سهل التطبيق، ولكن نحن نتحدث عن منطقة عربية تضم اثنتين وعشرين دولة، الأمر الذي يجعل تنفيذ ما جاء في التقرير أمراً في غاية الصعوبة. ولكن هذا لا يعني أن الأمر مستحيل، حيث إن هذا التقرير بحاجة للترويج له في العالم العربي قبل كل شيء.

ولعل إعلان جامعة الدول العربية رغبتها في المساهمة في إنجاح نتائج وتوصيات التقرير، يمكن أن يكون بداية طيبة بحيث يمكن أن يعرض على وزراء التعليم العرب، لمناقشته والقيام بما يلزم لرفعه إلى اجتماعات القمة العربية القادمة لاتخاذ القرارات اللازمة من قبل رؤساء وملوك وزعماء الدول العربية. تبني جامعة الدول العربية لمثل هذا التقرير، سيكون فيه دعم كبير للتقرير وما يسعى لتحقيقه.

كما أن التقرير يمكن أن يروج له من قبل الدول العربية كل على حدة، حيث يمكن لكل دولة أن ترى ما يمكن أن يناسبها لتبدأ في تنفيذه من أجل دعم المعرفة في مجتمعاتها، وقد يتم ذلك في إطار منظومة إقليمية أقل من الجامعة العربية، كمنظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية على سبيل المثال، أو دول اتحاد المغرب العربي، أو دول المشرق العربي، أو دول حوض النيل التي يمكن أن تأخذ بالتقرير وتعمل على تنفيذه أو تنفيذ ما يمكن أن تأخذ به وتراه مناسباً لها.

صحيح أن التقرير ركز على الحريات كعامل هام ومتطلب ضروري من أجل النهوض بالمعرفة في العالم العربي، إلا أنه يجب ألا نقف كثيراً عند متطلب الحريات ونجعل منه الشماعة التي يمكن أن تعرقل عملنا نحو تنفيذ الأمور الأخرى الإيجابية في التقرير؛ فالصين دولة لا توجد فيها حريات كتل التي توجد في بعض الدول الغربية مثلا.

ولكنها في الوقت نفسه تتمتع بوجود معرفة متقدمة وجامعاتها العلمية تتصدر قائمة أفضل الجامعات في العالم، والحديث نفسه عن دول عدة أخرى كتايوان لم تكتمل حريتها إلا في الأعوام الأخيرة، ولكنها حققت مستويات متقدمة في العديد من المجالات. فالحريات يجب أن لا تقف عائقاً أمام سعينا نحو تحقيق مجتمع معرفي في العالم العربي.

فرغم غياب الحريات في معظم البلدان العربية، يمكننا تجاوز هذه الحالة بوسائل خلاقة أخرى، على سبيل المثال إنشاء جامعات تتمتع بدرجة عالية من الحرية كما حصل في المملكة العربية السعودية منذ فترة قصيرة، حيث تم إنشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا، التي تعتبر واحة للحريات والعمل البحثي في مجتمع محافظ.

فالعالم العربي بحاجة إلى مثل هذه الأفكار الإبداعية، من إنشاء جامعات ومراكز بحث علمية تتمتع بالحرية في نطاق عملها، بحيث تكون منتجة ومربحة للتنمية المعرفية في العالم العربي. فكما توجد لدينا مناطق اقتصادية حرة تهتم بالإبداع في التنمية الاقتصادية، فنحن بحاجة إلى أن تكون لدينا مناطق تعليمية حرة تسهم هي بدورها في الإبداع المعرفي العربي.

تقرير المعرفة العربي الأول، الذي انطلق من دبي كمبادرة من شخص مبدع حمل لواء القيادة نحو النهوض بالعالم العربي، يحتاج إلى أن يفعّل كي يصبح تقريراً مفيداً للمعرفة في العالم العربي، وليس تقريرا كأي تقرير آخر يأتي ويذهب، دون أن يحرك على أرض الواقع شيئا نحو الأفضل.

كاتبة إماراتية

F_mansouri78@hotmail.com