الوضع السياسي العالمي اليوم، إلى حد كبير، هو نتاج لانهيار جدار برلين قبل عشرين عاما. وقد يكون من الهام إلقاء الضوء أكثر على جميع النتائج السياسية والإستراتيجية لذلك الحدث. ذلك على اعتبار أنه يمثّل القطيعة التاريخية الحقيقية الوحيدة منذ الحرب العالمية الثانية.
وعلى عكس ما يقال، لم تؤدّ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 إلى ولادة عالم جديد. صحيح أن تدمير برجي مركز التجارة الدولية في نيويورك، أثار صدمة عاطفية كبيرة، لكنه لم يغيّر موازين القوّة العالمية في العمق. إن الولايات المتحدة، رغم إصابتها البليغة، لم يضعف موقفها كثيرا، ولم تتغيّر مواقع أوروبا أو الصين أو روسيا أو اليابان.
على العكس، أدّى انهيار جدار برلين إلى نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي. وبرز السؤال عمّا إذا كان العالم يتوجّه نحو عالم متعدد الأقطاب أم وحيد القطب؟ في كل الحالات، لم تعد العلاقات الدولية تتمحور حول محوري واشنطن وموسكو.
لكن اعتقاد الغربيين أنهم قد انتصروا عام 1989 في معركة التاريخ، وأنهم يستطيعون أن يسودوا على الجميع، جعلهم تائهين اليوم وهم يرون العالم الذي يرتسم أمام عيونهم. مع ذلك أعلن جورجي أرباتوف، أحد مستشاري ميخائيل غورباتشوف، بدهاء عام 1987 لمحدثيه من الأميركيين: «سوف نقدّم لكم أسوأ الخدمات، إذ سوف نحرمكم من الأعداء». أبسط ما يمكن أن يقال، هو أن تلك الملاحظة كان فيها الكثير من التبصّر.
في المقابل ظهرت سطحية الصيغ التي سادت في الغرب بعد انهيار جدار برلين، مثل «النظام العالمي الجديد» و«نهاية التاريخ»، والحديث المفعم بتمجيد الذات وبأن القيم الغربية سوف تسود العالم. ولم يأبه كُثر لإنذار هنتنغتون الخاص ب«صدام الحضارات»، فاعتبرت الولايات المتحدة الأميركية أن هيمنتها ضرورية لاستقرار العالم، واعتقد الأوروبيون من جهتهم أن نهاية الحرب الباردة سوف تولّد مجموعة دولية حقيقية، بعد الآمال الخائبة بقيامها بعد الحربين العالميتين.
وفي الإطار الغائم لهذه المجموعة الدولية، وعلى أساس مفهوم ساذج للعلاقات الدولية، ساد الاعتقاد بأن الجميع سوف يتبنّون القيم نفسها المستلهمة من الغرب، ولكن يتم الاعتراف بأنها كونية (يونيفرسال). وبالتالي سوف تستطيع منظمة الأمم المتحدة أن تلعب دورها كاملا، وتبرز عدالةً ومجتمعا مدنيا دوليين.
وفي إطار ذلك الزخم من الغبطة الغربية، عرف عقد التسعينات سلسلة من اللقاءات الدولية حول البيئة في سانتياغو عام 1992، والتنمية الاجتماعية في كوبنهاغن عام 1995، والنساء في بكين عام 1995 أيضا، والإعلان الألفي الذي تبنّته جميع دول الأمم المتحدة يوم 8 سبتمبر 2000، حول السلام والتعاون والتنمية والحريّات والمساواة والتسامح. كانت الأجواء مفعمة بالمشاعر الطيّبة، بل وساد لدى البعض أنه قد ولّى زمن العلاقات التقليدية بين الدول.
لكن مسار تطوّر الأحداث أعاد الجميع فجأة إلى أرض الواقع، وأخذت ترتسم وتتأكد ملامح ظاهرة كبرى، مفادها أننا لم نعد في الغرب نحتكر سلطة تسيير شؤون العالم والعلاقات الدولية. وتجد القوى الغربية بعض الصعوبة في فهم أن شعوب العالم، لن تقبل آليا المبادئ والقيم التي تريد فرضها عليهم. وتُظهر هذه الشعوب قبولا أقل فأقل، لسعي القوى الغربية كي تفرض «وزنين ومعيارين»، في مجال حقوق الإنسان خاصة.
بالتأكيد لسنا أمام نهاية سلطة القوى الغربية، ذلك أن ثرواتها وقدراتها العسكرية وشبكاتها، لا تزال قويّة، لكن نحن أمام نهاية احتكارها. الشعوب كلّها غدت نشيطة سياسيا، وللمرّة الأولى في التاريخ الإنساني. وهذا يضع الدور الذي لعبه الغربيون منذ القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين، موضع التساؤل.
وهذا يعني أن أقطابا جديدة تبرز، مثل الصين التي تشابكت علاقاتها الاقتصادية والعسكرية كثيرا مع الولايات المتحدة، مما يدفع البعض إلى القول بقيام قمّة «الاثنين الكبار». واليابان لا تزال قوّة، وروسيا تعود، ويتأكّد صعود الهند والبرازيل وغيرها. لكن هناك شكوكا حقيقية حول الاتحاد الأوروبي، ففرنسا وألمانيا وبريطانيا لا تزال تتصرف تبعا لمصالحها، والسؤال هو معرفة ما إذا كانت قادرة فعلا على أن تشكل محور نفوذ في عالم جديد. الرغبة قائمة بشكل غائم، والعالم متعدد الأقطاب يعني أيضا معركة متعددة الأقطاب.
مع ذلك، لا بدّ من القول إن العالم متعدد الأقطاب لم يصبح بعد واقعا. ذلك أوّلا، لكون أنه ليس هناك معادل لقوة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي. وبروز أقطاب قوّة جديدة ونهاية احتكار القوى الغربية، يمثلان مسيرة تتأكّد تدريجيا، لكن بهدوء.. وهذا خبر جيّد.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية ـ باريس