المسألة تعيدنا إلى زمن العصور الوسطى، حيث كان الظلام الدامس يغطي على فكر غرب أوروبا المسيحي في تلك المرحلة الحرجة من تاريخه، أي ما بين القرن الخامس والقرن الخامس عشر الميلاديين. ولم يكن هذا الظلام يتغلغل في المجالات الحياتية المختلفة فقط، وإنما كان أيضا ظلاما فكريا دامسا ينتشر بسرعة في كافة الاتجاهات.

ولو درسنا أسباب تلك العتمة التي أدت إلى ما كانت تعيش فيه تلك الشعوب الأوروبية من صدامات وحروب، لوجدنا أنه يرجع أولا إلى التخلف الفكري، وليس الاختلاف الفكري بين المذاهب المسيحية المختلفة. وهناك فرق واضح بين الاثنين، فالاختلاف الفكري أمر محمود، بل ومطلوب في كثير من الأحيان. فاختلاف الفكر والمفكرين ظاهرة صحية، وتدل على دفع العقل إلى البحث عن الحقيقة، بينما التخلف الفكري يؤدي بشكل حتمي إلى ما لا تحمد عقباه.

والحقيقة المخيفة هي أنه يوجد بين «الاختلاف» و«التخلف»، كما بين «العبقرية» و«الجنون»، خط رفيع لا يرى بالعين المجردة، وتكفي زلة قدم بسيطة أو الضغط على زر واحد بالخطأ أو بالعمد، حتى ننتقل بسرعة البرق من درجة الاختلاف إلى درجة التخلف، وتتحول بالتالي الكرة الأرضية إلى كرة من لهب، بدلا من كرة من ذهب.

ولهذا السبب دفع الأوروبيون في العالم المسيحي، من بداية القرن الخامس عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثمنا باهظا لعدم رؤيتهم لتلك الشعرة التي تفصل بين برزخين، فامتدت حروبهم لمئات السنين، وخسروا بشرا كثيرين لا يمكن تعويضهم اليوم، ولو عاشوا لأصبحت لهم اليوم الغلبة في كل أمر.

إلى درجة أننا بمجرد ذكر كلمة «العصور الوسطى»، نطير إلى معاني «التخلف» الفكري والحضاري والبشري في أوجه، حتى ولو أن تلك العصور أفرزت من جهة أخرى فنا متقدما ورائعا له ملامحه التي تميزه.

في تلك الفترة بالذات، كان المسلمون يعيشون في أعلى درجات الفكر في الأندلس، أي على أرض الأوروبيين أنفسهم ولا يفصلهم عنهم سوى بضعة أميال برية، بيد أنهم لم ينتفعوا بهم. وهكذا امتد تخلفهم الفكري 1000 سنة مما نعد!

واليوم انقلبت الصورة، فأصبح العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه يعيش هذا التخلف الفكري والحضاري، بعد أن اختلط عليه الأمر بين درجتي التخلف والاختلاف. ففي لحظة ما من الزمن تحول الاختلاف الفكري لديهم إلى تخلف، حيث أن من دلائل التخلف البشري الحروب البشرية بسبب تحول الاختلاف الفكري إلى تعصب فكري، عندها ينتهي دور العقل ويبدأ دور العاطفة البحتة. وإذا غلبت العاطفة العقل، غلبت المنطق، وإذا غلبت المنطق، قتلته. وهكذا حصد الاختلاف (دون أن يعلم) على يد البشر (وهم يعلمون)، الملايين من جنسهم على مر التاريخ دون أدنى مبرر عقلي.

هذه المقدمة الطويلة كان لا بد من التذكير بها. فنحن ـ وأعني في العالم الإسلامي ـ نعاني منذ فترة قصيرة جدا وبشكل واضح، من انتشار ظاهرة التخلف الفكري، التي أدت إلى ما نشاهده اليوم على أرض الواقع من صور دموية قاتمة. وهذا «التخلف» الفكري هو في حقيقة الأمر نتيجة طبيعية لوصولنا إلى مرحلة غياب الوعي، عن تمييز تلك الشعرة الدقيقة التي تفصل بين العبقرية والجنون، بين الاختلاف والتخلف، بين منطق الإنسان وهمجية الحيوان.

إن من نعم الله علينا ـ نحن المسلمين ـ وجود الاختلاف الفكري (وليس اللوني أو العشائري أو اللغوي أو المادي الذي ألغته الرسالة المحمدية)، هذا الاختلاف الحميد الذي حدث مباشرة بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومبايعة الخليفة الأول سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

فقد نتج عن اختلاف في التفكير واختلاف في التفسير واختلاف في الموقف وفي الرأي. وكان اختلافا عقليا وفكريا صرفا لم يتعد حدود العقل، واضعا في الاعتبار خطورة الانتقال من «الخلاف» و«الاختلاف» إلى «التخلف».

ورغم عدم رضى الفئتين عن بعضهما، إلا أن المسلمين من الشيعتين: شيعة أبي بكر وشيعة علي، لم يتقاتلا ولم يشهر أي منهما سيفه في وجه الآخر. ورغم ما قيل عن تقبل الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه «على مضض» قرار البيعة في اجتماع السقيفة، إلا أنه لم يكفرهم ولم يقاتلهم، بل بالعكس من ذلك تماما، فقد وقف مع أصحاب النبي وحارب معهم أعداء الإسلام، ورفع من شأنهم، ولا أدل على ذلك من قبوله بوزارة العدل في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل وأنه تزوج منهم وقام بتسمية أبنائه بأسمائهم، كعثمان وأبي بكر.

وهذان لمن يجهل التاريخ أو يتجاهله قد استشهدا جنبا إلى جنب مع أخيهما الحسين في معركة كربلاء الدامية (التي وقعت بعد 60 سنة فقط من الهجرة)، وكذلك أطلق الإمام علي اسم عمر على أحد أبنائه من زوجته الصهباء بنت زمعة. ولم نسمع عن فتنة صدرت من هؤلاء ضد هؤلاء، ولا كره ولا مقت ولا قتل. فقد كان خلافا واختلافا فكريا راقيا، يرقى بأخلاق وتعاليم ومبادئ الإسلام السمحة التي حملها النبي المصطفى، لمحاربة الجهل الذي انتشر في الجزيرة العربية آنذاك.

ثم خرج من جاء بعدهم عن تلك الخطوط الحمراء في مسألة الخلاف والاختلاف، وتحولوا بالاختلاف الفكري إلى تخلف فكري، وكلنا يعرف ما قد نتج عن ذلك الخلط، حيث غرق المسلمون في بحار من الدماء، وهي بحار ما أن تتبخر في السماء حتى تهطل عليهم من جديد أمطارا سوداء من الدماء، وهكذا... إلى يومنا هذا.

وهذه الأمطار السوداء من دماء المسلمين، تتساقط اليوم على إخوتنا المسلمين في اليمن وأفغانستان وباكستان ولبنان وفلسطين، أيا كان مذهبهم، واختلافهم، وخلافهم. فالاختلاف المذهبي هو اختلاف فكري وفلسفي بحت، وليس خلافا على ناقة أو شاة أو بئر ماء. فكيف يتحول الاختلاف الفكري بين المسلمين إلى قتال دموي مرعب؟ ومتى كان ذلك يحدث إلا في عصور الظلام في أوروبا الغربية قبل ألف وخمسمائة عام؟

فهل يمكن أن نطلق على الحرب الدائرة في اليمن، أيا كان المتحاربان، حربا مسلمة شريفة؟ ولم لا يحكم الطرفان المتحاربان عقليهما لدرء الفتنة التي انفجرت ولن تتوقف؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com