لا شك أن مستوى العلاقة الروسية بملفات الشرق الأوسط، يتأثر بدرجة كبيرة بمستوى العلاقات الأميركية الإسرائيلية، إذ إن توطد هذه العلاقات يؤدي بالضرورة لحلف في مواجهة كافة مشاريع التسوية التي تقدمها روسيا لأطراف النزاع، وذلك انطلاقا من حرص واشنطن على تقليص الدور الروسي في المنطقة.
أما حالة البرود التي تخيم على الصلات بين واشنطن وتل أبيب، فتؤدي عادة لتوسيع مساحة المشاركة الروسية، استنادا لمساعي الحكومة الإسرائيلية لإيجاد طرف وحليف قادر على إزالة التوتر المحيط بها في الشرق الأوسط.
ويبدو واضحا أن العلاقات الإسرائيلية الأميركية تشهد في الشهور الأخيرة، ومنذ تولى باراك أوباما منصب الرئاسة في الولايات المتحدة، حالة من البرود برزت بوضوح في لقاء الرئيس الأميركي أوباما مع رئيس الحكومة الإسرائيلية نتانياهو، وذلك بصرف النظر عن تصريحات واشنطن وتل أبيب عن الأجواء الايجابية والدافئة لهذا اللقاء.
ويسود اعتقاد بأن الرئيس أوباما، الذي بذل جهودا كبيرة لاستعادة علاقات الثقة بين الولايات المتحدة من جهة والدول العربية والعالم الإسلامي من جهة أخرى، حرص على أن يعبر عن هذا التوجه في لقائه مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، حتى لا يفقد ما أنجزه بالفعل في هذا السياق. وأفادت مصادر دبلوماسية روسية بأن محادثات أوباما ـ نتانياهو، التي جرت خلف أبواب موصدة واستمرت حوالي ساعتين، تركزت على سبل استئناف المفاوضات السلمية بين تل أبيب والسلطة الفلسطينية.
ويمكن أن يكون هدف تشدد الأبيض مع إسرائيل، هو إقناع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالتراجع عن قراره بعدم الترشح لرئاسة السلطة الفلسطينية في الانتخابات القادمة، من خلال الضغط على رئيس الحكومة الإسرائيلية بضرورة تقديم أية تنازلات تجذب الفلسطينيين لاستئناف المفاوضات. إلا أن أوباما جدد التزام إدارته بحماية أمن إسرائيل وتنشيط التعاون العسكري مع حكومة تل أبيب، ما يمكن اعتباره محاولة لتجاوز حالة البرود التي تعاني منها العلاقات بين الجانبين.
ولا بد من الاعتراف بأن سياسات إسرائيل المتشددة، وإصرارها على مواصلة خطط الاستيطان وبناء المستوطنات، قد وضعت الرئيس الفلسطيني في مأزق سياسي على أعتاب انتخابات الرئاسة، وأجبرته على إيقاف المفاوضات. ويبدو أن محاولات السلطة الفلسطينية لإبداء حسن النوايا تجاه العملية السلمية، والتي كان آخرها طلب محمود عباس تأجيل مناقشة تقرير غولدستون، لم تسفر سوى عن نتيجة واحدة، وهى تراجع شعبية عباس وتراجع ثقة الفلسطينيين في السلطة برئاسته.
لذا يمكن الحديث عن أن سياسة اليمين الإسرائيلي تسببت وبشكل مباشر، في إفشال جهود الإدارة الأميركية للخروج بأزمة الشرق الأوسط من مأزقها الراهن، وأسفرت عن تجميد المفاوضات، ما يشكل ضربة لبرنامج أوباما الذي بدأ حقبته الرئاسية بإصلاح العلاقات مع الدول العربية، والعمل على تسوية أزمة الشرق الأوسط.
بل إن حكومة تل أبيب سعت لإفشال جولات جورج ميتشل، المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، المكوكية في المنطقة. وأعلن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أنه لا توجد فرصة قريبة للتوصل لاتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين، ردا على تصريحات ميتشل التي أكد فيها أن واشنطن ستواصل جهودها لإطلاق المحادثات بين إسرائيل والفلسطينيين في أقرب وقت ممكن، وأن ذلك سيكون خطوة أساسية تجاه تحقيق سلام شامل في المنطقة، يشمل إسرائيل وجيرانها ومن بينهم سوريا ولبنان.
ولعل تولي اليمين الإسرائيلي المتشدد مقاليد السلطة في إسرائيل في الفترة الحالية، وبعد التغيرات التي جرت في سياسات واشنطن تجاه الملف الشرق أوسطى، تعبر عن رد تل أبيب على توجهات إدارة أوباما، التي يعتقد الإسرائيليون أنها تميل للتعاطف مع العرب، وتهدد المصالح الإسرائيلية. لذا كان من المتوقع أن تخيم على لقاءات أوباما ـ نتانياهو حالة من البرود، خاصة أن الرئيس الأميركي جدد تمسك واشنطن بحل قيام الدولتين وضمان أمنهما، وتأكيده على الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة الفعل والإنجاز.
وقد يفسح الوضع الراهن المجال لدور روسي أكثر تأثيرا، باعتبار أن إسرائيل تشعر بالقلق من الدور الأميركي وفق رؤية أوباما. ولكن الدور الروسي كما تراه إسرائيل، لا يتلاءم مع توجهات موسكو السياسية، لأن روسيا تدعو للتسوية الشاملة على كافة المسارات، بما فيها المسار السوري واللبناني، وتدعم حق الشعب الفلسطيني في تأسيس دولته على ترابه الوطني.
خبيرة روسية في شؤون الطاقة