معظم الدراسات الحقوقية الجادة والمحايدة، نظرياً وميدانياً، تؤكد أن العودة إلى مساقط الرؤوس في الوطن الأم، هي أنجح الحلول وأوفقها لمعالجة قضايا اللجوء واللاجئين. وبالمقدار ذاته من الحزم، تسخر هذه الدراسات من التسويات التلفيقية التي تستهدف الالتفاف على ممارسة اللاجئين عموماً، لحق العودة كما هو مثبت في وثيقة إعلان حقوق الإنسان لعام 1948.

نستحضر هذه القناعات بمناسبة المصير المأساوي للمعالجة الخرقاء التي ابتدعت لجماعة من اللاجئين الفلسطينيين، الذين نقلوا من معسكر الرويشد على القارعة الصحراوية للحدود العراقية الأردنية، إلى البرازيل في الطرف الغربي من خريطة الدنيا، قبل عامين.

وموجز هذه القصة أن عدداً من اللاجئين الفلسطينيين في العراق منذ نكبة 1948، تعرضوا غداة سقوط نظام صدام حسين لأقسى أنواع الذل والمهانة والملاحقة الإجرامية، وصولاً إلى التشويه والاغتصاب والقتل، مما أجبر كثيرين منهم، بشكل فردي أو أسري، على الفرار مجدداً بحيواتهم سعياً للأمن.

وقد جرى تجميع بعضهم في المعسكر المنكود، ولم تشفع أحوالهم شديدة البؤس في ذلك المكان الموحش، لعودتهم آمنين نحو الداخل العراقي أو زحزحتهم غرباً إلى داخل الأردن. كما ضاقت عليهم أرض العرب جميعهم بما رحبت، ووصفوا حينذاك بالعالقين!

ولأن الغريق يتعلق بقشة، فقد سبقت مجموعة من هؤلاء العالقين مكونة من 127 فرداً على الانصياع لحل تم التفاوض عليه إقليميا ـ وربما فلسطينياً ـ ودولياً بإشراف المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، يسهل انتقالهم «كلاجئين» مرة أخرى إلى البرازيل.

وقيل إن من ضمتهم هذه المجموعة سيحظون برعاية المفوضية السامية وبتعاطف برازيلي حكومي، بما يسبغ عليهم الحماية اللازمة التي تؤمنهم من خوف، وتطعمهم من جوع وتعالجهم من مرض وتعلمهم من جهل، وتهيئ لهم سبل العمل والانطلاق بأمل واعد في حياة كريمة.

خبر هذه الصفقة ثم تطبيقها على عجل في أواخر عام 2007، كان صادماً لكثير من أصحاب النخوة العربية، إذ كيف يعجز هذا المحيط العربي الفسيح بمساحته التي تقارب الثلاثة عشر مليون كيلو متر مربع، ويقطنها ثلاثمئة مليون عربي أبيّ، عن استيعاب «قطرة بشرية» لا يتجاوز حجمها ثلاثين أسرة، ذاقت مرارات اللجوء لغير مرة؟!..

ولقد راودت البعض ظنون بأنهم أمام نموذج تجريبي، لتسوية يجري إنتاجها في الأروقة المعنية بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين عامة. تسوية قوامها نقل اللاجئين وتوطينهم في عوالم بعيدة عن وطنهم الأم فلسطين، وعن بيئتهم الإقليمية القومية بالجوار.

إذا صح هذا الاعتقاد الأخير، فإنه من المدهش حقاً أن لا يثور في ذهن معتنقي تجربة «الحل البرازيلي»، السؤال التالي: إذا كانت بلاد العرب قد عجزت عن الوفاء بمثل هذا الحل بالنسبة لثلاثين أسرة أو نحو ذلك، فكيف الحال بإدماج ملايين اللاجئين في عوالم غريبة عنهم ومخالفة لهم في كل شيء، من أشكال السحن وألوان الجلد إلى أنماط الثقافة واللغة والدين وتقاليد الحياة، فضلاً عن تباين المناخات والبيئات الطبيعية، وما شاء الله من مظاهر الاختلاف بين الأقوام والأمم؟!

في كل حال، لم يطل الوقت كثيراً حتى تبين للكافة مدى سخافة هذا الحل وسطحيته وفقدانه للصلاحية، بالنظر إلى خلوه من الحس الأخلاقي الإنساني القويم، ومجافاته لطبائع الاجتماع الإنساني. فالمنقولون إلى الديار البرازيلية جأروا بالشكوى والتململ منذ أيامهم الأولى هناك. بدأت هذه الشكوى متلصصة وعلى استحياء، من أسلوب الاستقبال ونقص الرعاية الصحية والمالية وقلة الاكتراث بالمسكن الملائم.

وكان المتصور أن هناك بعض السلبيات المرتبطة ببدايات التجربة وصعوبات التأقلم، وهي أمور طبيعية ستزول بمرور الوقت. غير أن ما حدث فعلاً، هو تفاقم أسباب الشكوى وهبوط معنويات المنقولين إلى درك القنوط الكامل، والبحث مجدداً عمن ينتشلهم من ذاك اليم.

المؤكد الآن، أن إخوتنا الذين ساقتهم أقدارهم إلى خوض التجربة البرازيلية، يعانون شظف العيش وقلة الزاد وانعدام المأوى، ومرارات السخرية من المحيطين بهم، والتعرض لسفالات المتسكعين والساقطين المنداحين في الشوارع والطرقات.

تقول بعض الأصوات التي تمكنت من اختراق حجاب المسافة وانقطاع الوسيلة، أنه لا أحد على مستوى مفوضية اللاجئين والحكومة البرازيلية، يعبأ يهم أو يكترث لأحوالهم أو يستمع لتوسلاتهم، وأن بعضهم قد لاقى حتفه ضحية لانعدام الخدمات الصحية الأولية، وأن المحظوظ منهم هو الذي ما زال يتلقى ما يقيم أوده، أو ينخرط في عمل منحط يوفر له قوت يوم أو بعض يوم.

إنهم إجمالاً، يطالبون بإخراجهم من تلك البلاد إلى أي مكان، حتى إن كان في ذلك إعادتهم إلى مقامهم غير الكريم سابقاً في منطقة الرويشد الصحراوية المميتة، يقول أحدهم «.. إن الحياة في حاوية قمامة أكرم لنا من الذل والمهانة التي نعيشها في البرازيل»!

شكاية هذه الجماعة مفعمة بما يقطع نياط القلب، بما يوجب البحث عاجلا عن حل آخر.. لكن هذه الشكاية تؤكد من ناحية أهم، أن فقه اللجوء واللاجئين لم ولا يتجاوز الصواب، حين يجعل من حلول التوطين المؤقت أو الممتد خارج الوطن الأم، عملاً تحايلياً لا يكتب له الاستقرار، ولا يوفر للاجئين أدنى حقوق الإنسان الأساسية، ناهيك عن الحديث عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.. الأرقى مرتبة.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com