بعد قرار الرئيس الأميركي أوباما في منتصف سبتمبر الماضي، بتخلي بلاده عن نشر عناصر الدرع الصاروخي الأميركي في أراضي بولندا وتشيكيا، اعتقد الكثيرون أن مشكلة الدرع الصاروخي بين روسيا والولايات المتحدة قد ذهبت بلا رجعة، وأن العلاقات ستتحسن بينهما، ولكن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أفسد هذا التفاؤل بتصريحات أعلن فيها أن بلاده لن تلغي الدرع الصاروخي، بل ستعززه وتنشره في البحار شمال وجنوب أوروبا على متن سفن حربية أميركية.

وعلمت موسكو أن الأميركيين يعدون مشروع دفاع صاروخي جديدا سوف ينشرونه في البحار والمحيطات العالمية، وأنه وفقا لهذا المشروع سيتم تزويد سبعين سفينة حربية أميركية بصواريخ «ستاندارت 3»، القادرة بعد تطويرها على ضرب صواريخ العدو لحظة إطلاقها.

وصرح وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس بأن السفن المحملة بهذه الصواريخ، سوف تنتشر في بحر الشمال وفي البحر الأبيض المتوسط. وعلى ما يبدو فإن واشنطن تلجأ لهذه الحيلة، لتفادي المشاكل من وراء نشر درعها على أراضي الدول الأخرى، كما أنها تواجه صعوبات واعتراضات في قبول العديد من الدول لاستضافة قواعدها العسكرية.

لقد عادت روسيا تهتم بأسطولها الحربي البحري، الذي أهمل كثيرا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في سنوات التسعينات الماضية، وغاب تماما عن التواجد في البحار والمحيطات العالمية.

وعادت روسيا تبحث عن قواعد لأسطولها في البحار والمحيطات، وأصدرت وزارة الدفاع الروسية في يوليو الماضي قرارا بتطوير ميناء طرطوس السوري على البحر الأبيض المتوسط، وإعداده كقاعدة بحرية دائمة لسفن الأسطول الحربي الروسي، تقدم الخدمات والتمويل للسفن الحربية الروسية في البحرين المتوسط والأحمر وفي القرن الإفريقي، وتجري الآن إجراءات تنفيذية لجعل نقطة مرابطة سفن الأسطول الروسي في ميناء طرطوس السوري، جاهزة في المستقبل القريب لتلبية متطلبات ومهمات الأسطول في المنطقة المحيطة والقريبة.

وتقول وزارة الدفاع الروسية إن الأوضاع في البحر الأحمر وخليج عدن ونشاط القرصنة، تملي على روسيا ضرورة التواجد هناك وإيجاد قواعد قريبة من المنطقة لتموين السفن بالوقود والماء والعتاد.

ومن المعروف أن الأسطول الروسي يتخذ من ميناء طرطوس السوري قاعدة له منذ عام 1971، بعقد إيجار طويل المدى يتجدد، وكان الميناء أهم قاعدة للأسطول السوفييتي السابق في البحر المتوسط، ولكن روسيا أهملته تماما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسحبت سفن الأسطول منه إلى قواعدها في روسيا، ولم يبق فيه سوى وحدة من خمسين جنديا فنيا، وعاد الاهتمام به فقط في العام الماضي بعد انتشار ظاهرة القرصنة في خليج عدن. ويعد ميناء طرطوس القاعدة الوحيدة لروسيا في البحر المتوسط والمنطقة.

اهتمام روسيا بقاعدة ميناء طرطوس والتصريحات الأخيرة الصادرة من موسكو، لا يربطها البعض بظاهرة القرصنة في خليج عدن فقط، بقدر ما يربطونها باهتمام الولايات المتحدة الأميركية بتواجدها العسكري في البحر المتوسط، وأيضا بعد دخول سفن حربية أميركية للبحر الأسود في أغسطس من العام الماضي، بعد الحرب التي شنتها جمهورية جورجيا (السوفييتية السابقة) على أوسيتيا الجنوبية، والتي أدت لتدخل الجيش الروسي وطرده للقوات الجورجية من أوسيتيا.

وكانت روسيا وقتذاك قد أعلنت استنكارها ورفضها القاطع لدخول سفن الأسطول الأميركي للبحر الأسود، واعتبرته خطوة غير ودية تجاه روسيا، واضطرت السفن الأميركية للانسحاب من البحر الأسود بعد أيام قليلة من تواجدها فيه.

حيث ان هناك اتفاقا بين دول البحر الأسود على عدم السماح لأية سفن حربية أجنبية بدخول البحر.

ويتوقع الكثيرون أن لا تكون طرطوس القاعدة الوحيدة للأسطول الروسي في البحر المتوسط، حيث يدور الحديث عن احتمال تأسيس قاعدة أخرى في ليبيا.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com