بعد إصداره مرسوماً رئاسياً بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها الدستوري، الذي يصادف الرابع والعشرين من يناير المقبل، أقدم الرئيس محمود عباس على الإعلان عن عدم رغبته في الترشح للانتخابات المقبلة، الأمر الذي ضاعف حالة الارتباك والقلق في الساحة الفلسطينية.

الإعلان عن موعد الانتخابات، اعتبرته حركة حماس خطوة غير قانونية تصدر عن رئيس انتهت ولايته ويفتقر إلى الشرعية، واتهمت الرئيس عباس بعدم الرغبة في تحقيق المصالحة الوطنية، وقررت منع إجرائها في قطاع غزة، ولاحقاً أقدمت على إغلاق كافة مكاتب اللجنة المركزية للانتخابات في القطاع.

وفيما لم تتحرك الأمور على جبهة المصالحة، بعد توقيع حركة فتح على الورقة المصرية وامتناع حركة حماس عن توقيعها، فإن الرئيس عباس لم يجد أمامه سوى الالتزام بالاستحقاق الدستوري الذي يتصل بإجراء الانتخابات، رغم علمه بأن جملة من الظروف الموضوعية قد تمنع إجراءها في الموعد الذي حدده المرسوم الرئاسي.

فعدا عن موقف حركة حماس الرافض لإجرائها، فإن من المرجح أن تمنع إسرائيل إجراءها في القدس، الأمر الذي يعني أن إجراء الانتخابات سيكون قاصراً على الضفة الغربية فقط، مما يشكك في شرعيتها من ناحية، ويشكل خطوة خطيرة في اتجاه تعميق الانقسام من ناحية أخرى.

المراقبون يتوقعون الأسوأ في حال جرت الانتخابات على هذا النحو، فقد تتخذ حركة حماس خطوة معاكسة من شأنها أن تدفع الانقسام نحو الانفصال التام، لو أنها قررت إجراء انتخابات منفصلة في قطاع غزة.

على أن الرئيس محمود عباس أبقى الباب موارباً على إمكانية التوصل إلى حلول بالنسبة لمسألة الانتخابات، ولعدم رغبته في الترشح لها، مما قد يذهب إلى حد إنهاء دوره السياسي. الانتخابات قد تتأجل لواحد من سببين، فالوقت المتبقي حتى موعد إجرائها يكفي لمعاودة تنشيط الوساطة المصرية لتأمين مصالحة فلسطينية بالتوقيع على الورقة المصرية، وحينها سيكون بالإمكان إلغاء المرسوم الأول وإصدار آخر يحدد موعداً جديداً تضمنته الورقة المصرية.

ويقضي بإجرائها في الثامن والعشرين من يونيو العام المقبل. أما الاحتمال الثاني، وهو المرجح، فيتصل بعدم توفر الحد الأدنى من الظروف المناسبة لإجرائها.

كما أن الرئيس الفلسطيني أبقى الباب موارباً إزاء إعلان عدم رغبته للترشح في الانتخابات، بغض النظر عن موعد إجرائها، فالأمر يتصل بتغيير الأوضاع أو بعضها التي دفعته لاتخاذ هذا الموقف، وهو صادق مع نفسه، ولا يتعمد المناورة، أو استدرار عواطف الآخرين لتجديد شعبيته.

خلاصة القول ان الرئيس عباس قد توصل إلى استنتاج سياسي مهم، وهو أن الحد الذي قد يذهب إليه في المرونة إزاء المفاوضات مع إسرائيل التي تتوسط فيها الولايات المتحدة، لا يمكن أن يهبط بما هو مقبول فلسطينياً، إلى الحد من التنازلات الذي تسعى إليه كل من إسرائيل والولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار يعلن الرئيس عباس بطريقة مباشرة عن خيبة أمله من تراجع موقف الإدارة الأميركية، إزاء ضرورة وقف إسرائيل لكافة أشكال وأنواع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس.

حيث وصف الموقف الأميركي بأنه يحابي إسرائيل. هو تلخيص ملطف جداً لقناعة مفادها أن الولايات المتحدة، قد بددت الآمال التي بثها الرئيس أوباما بشأن إحياء العملية السياسية، والذي عاد ليؤكد ما درجت عليه الإدارة الأميركية السابقة من انحياز ودعم كامل لإسرائيل.

حتى حين ردت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون على إعلان عباس عدم رغبته في الترشح، فإن موقفها عبَّر عن عدم اكتراث، إذ قالت إنها ستتعامل مع الرئيس عباس من أي موقع جديد.

رغم احتمال أن يغادر عباس كل مواقع العمل السياسي. وفي اعتقادي أن الرئيس عباس يمكن أن يعود عن قراره، في حال تراجعت الإدارة الأميركية إلى موقفها الذي يطالب إسرائيل ويضغط عليها بتجميد الاستيطان، وبتحديد مرجعية واضحة لعملية السلام، وهو شرط من الصعب احتمال حدوثه، وإلا لكان موقف كلينتون وإدارة أوباما مختلفاً من إعلان عباس رغبته بعدم الترشح لمنصب الرئيس.

هنا ينشأ سؤال خطير، فهل كان إعلان الرئيس محمود عباس عن عدم رغبته الترشح للانتخابات، قراراً ذاتياً، بعد أن وصلت مراهناته على دفع عملية السلام إلى طريق مسدود؟ أم أن حياته السياسية ودوره قد انتهى بقرار خارجي كما حصل بالنسبة للرئيس الراحل ياسر عرفات؟

إن ردود الفعل الخارجية على إعلان الرئيس عباس، توحي وكأن قراره كان يلخص قراءة لمواقف أطراف خارجية فاعلة، وأنه فقط اختار بنفسه توقيت الإعلان. فعدا عن الموقف الأميركي السلبي، أبدت الحكومة الإسرائيلية عدم اكتراثها هي الأخرى، وربما كانت حقيقة موقفها أكثر سلبية.

وعلى الصعيد الخارجي أيضاً، لم تصدر مواقف داعمة للرئيس عباس سوى من فرنسا، وإسبانيا، وعربياً من مصر وعدد قليل من الدول العربية، مما يعني أن هناك تواطؤا عربيا مع قرار أميركي ـ إسرائيلي، في اتجاه انتهاء الدور السياسي للرئيس عباس.

وإذا كان تراجع الرئيس عباس، هو من بين الاحتمالات الأضعف، حتى لو أنه تلقى الدعم من حركة فتح ومن فصائل منظمة التحرير، فإن البدائل تذهب إلى احتمالين: الأول هو أن يجري تقديم بديل من حركة فتح، وأمر هذا البديل غير واضح بسبب غياب شخصية تحظى بإجماع أو شبه إجماع. والثاني هو أن يجري التعامل مع حركة حماس كبديل في المفاوضات لحركة فتح.

وبالرغم من الإشارات الواضحة التي أرسلها الرجل الثاني في حزب كاديما والوزير السابق، شاؤول موفاز، عن إمكانية التفاوض مع حماس في حال فازت في الانتخابات ووافقت على شروط الرباعية، إلا أن الظروف لا تزال غير ناضجة لأي من الاحتمالين المطروحين بشأن بديل لعباس.

الأكيد أن العملية السياسية قد دخلت مرحلة جمود مؤقت، وأن الوضع الفلسطيني مقبل على تغييرات مهمة، تقررها التفاعلات الدولية والإقليمية التي تتجه نحو التوتر، ودون أن نستبعد مبادرة فلسطينية لإعلان الدولة من طرف واحد، وطرح ذلك على مجلس الأمن الدولي، كخيار إجباري.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com