في دورة تدريبية مشتقّة من كتاب اسمه «استراتيجية المحيط الأزرق»، يطرح مؤلفا الكتاب، الذي تحول إلى نظرية علمية ثم إلى معهد كامل في كلية إنسياد للإدارة في فرنسا، فرضية جديدة تقول ان هناك محيطين في عالم الأعمال، الأول أحمر، وهو السوق الذي تتنافس فيه الشركات بقوانين المنافسة المتعارف عليها، أما المحيط الثاني فهو المحيط الأزرق، وهو عبارة عن استراتيجيات فريدة، انتهجها بعض الشركات لتصبح فجأة شركات ناجحة ودون منافس.

لنأخذ على سبيل المثال موقع (فيس بوك Face book)، حيث كانت مواقع الحوار Chat موجودة على الإنترنت منذ انطلاقها، ولكن أتى هذا الموقع لينقل الحوار إلى مرحلة أوسع تعرف اليوم بالشبكات الاجتماعية Social Network ، وفي وقت قصير تحول هذا الموقع من محاولة بسيطة، إلى أكبر موقع اجتماعي على الإنترنت.

لم يستثمر أصحاب الموقع ملايين الدولارات في تطوير بنيته التكنولوجية، فهو بسيط جداً من حيث التقنيات المستخدمة، ولكن فكرة ربط الحوار بين مجموعة أشخاص، مع إمكانية وضع صورهم ولقطات من الفيديو وغير ذلك من خدمات في مكان واحد، لاقت رواجاً عالمياً لدى مستخدمي الإنترنت، فأدى ذلك إلى تحول فيس بوك من المحيط الأحمر إلى المحيط الأزرق.

في اليوم قبل الأخير من الدورة وُزِعت علينا دراسة نُشِرت في مجلة هارفرد العلمية Harvard Business Review في شهر سبتمبر الماضي، قام بها مؤلّفا كتاب استراتيجية المحيط الأزرق. كانت الدراسة حول نموذج دبي.

حيث يقول الكاتبان إن أدوات هذه الاستراتيجية الجديدة يمكن أن تستخدم في المدن والدول مثلما تستخدم من قبل الشركات، بشرط أن تهتم تلك المدن بثلاث ركائز رئيسية هي: القيمة المقَدّمة للزبائن، وقيمة الربح المستفاد منهم، ومدى استفادة الناس من الاستراتيجيات الجديدة. ثم قام الباحثان بتطبيق هذه الركائز الثلاث على نموذج دبي كالتالي:

يستهل الباحثان دراستهما بالحديث عن أن الناظر إلى دبي قبل ثلاثين عاماً، لم يكن يخطر له ببال أن تلك البقعة النائية من العالم سترى الإسمنت في يوم من الأيام، ناهيك عن حقيقة عدم وجود نفط أو غاز طبيعي في دبي، حيث لا يشكلان إلا 5% من دخل الإمارة.

إلا أن دبي عملت على تقديم قيمة تجارية للمستثمرين الأجانب والمحليين، من خلال المناطق الحرة التي يبلغ عددها اثنتي عشرة منطقة تغطي معظم المجالات الاقتصادية، والتي يمكن للمستثمر الأجنبي أن يتملك شركته فيها بنسبة 100%، مضافاً إليها حرية كاملة لتحويل أمواله إلى داخل المنطقة الحرة وخارجها دون قيود تذكر. ثم ألغت دبي جميع الضرائب المفروضة على الشركات، حتى تلك المتعلقة بإعادة التصدير.

ولكي تقلل دبي من تكلفة الاستثمار على المستثمرين، فإنها قامت بإعادة هيكلة إجراءاتها الحكومية بحيث يمكن للشخص أن يحصل على رخصة تجارية في نصف ساعة، بالإضافة إلى أن جميع المعاملات يمكن أن تتم باللغة الإنجليزية، كما أن قانون الإمارة التجاري شفاف ومشتق من القانون البريطاني الذي يتعاطى معه معظم المستثمرين العالميين.

ومن القيم الاستثمارية التي قدّمتها دبي بنيتها التحتية، حيث تشكل مطاراتها وموانئها وخدماتها اللوجستية، إحدى أرقى البنى التحتية في العالم. ثم تقارن الدراسة كل ذلك بمدينة شنغهاي التي تعتبر عاصمة الصين التجارية وأسرع مدنها نمواً، ففي شنغهاي يعتبر النظام القانوني معقّدا ومعتما للمستثمرين الأجانب، الذين يفرض عليهم التعامل الحذر مع التعاليم الصينية، كما يجب عليهم فهم النظام السياسي في الصين، حتى يستطيعوا أن يمرروا معاملاتهم في المؤسسات الحكومية.

وعلى الرغم من سرعة نمو شنغهاي، إلا أن دبي تفوّقت عليها في معظم القطاعات الاقتصادية، حسب ما ورد في الدراسة.

ثم يأتي الباحثان على الركيزة الثانية في استراتيجية المحيط الأزرق، ويتساءلان كيف تحقق حكومة دبي أرباحاً؟ تقول الدراسة إن دبي تدار كشركة تجارية عملاقة، فمثلاً، مؤسسة موانئ دبي التي تدير أكثر من 50 ميناء في 31 دولة حول العالم، تعد مؤسسة حكومية تملك حكومة دبي 80% منها.

إلى جانب ذلك فإن كبريات شركات التطوير العقارية في دبي التي استطاعت أن تتوسع خارج الإمارة، هي شركات مملوكة من قبل الحكومة.

أما طيران الإمارات فهي شركة مملوكة للحكومة أيضاً بشكل كامل، وغير ذلك من شركات عملاقة استطاعت الحكومة أن تقلل تكلفة الخدمات المقدمة من خلالها، وفي نفس الوقت رفعت مستوى جودة تلك الخدمات، مما أعطى دبي ميزة كبرى في القيمة المقدمة، وفي الدخل الذي تحققه كحكومة.

الركيزة الأخيرة هي ركيزة الإنسان، أي ماذا استفاد الإنسان من كل هذا، حيث يعتقد الباحثان أن النظام الاجتماعي الممنوح للمواطنين في دبي، يعد نظاماً متقدماً من حيث الحقوق والخدمات المقدّمة.

فهناك نظام للتقاعد، وآخر للضمان الاجتماعي للأسر المحتاجة، وتقريباً فإن معظم المواطنين يحصلون على وظائف في الحكومة دون جهد يذكر، ناهيك عن الخدمات المجانية المقدمة كالتعليم، والصحة، والحضانة وتوفير مساكن وأراضٍ سكنية مجانية، وقروض بدون فوائد لبناء منازل للمواطنين.

إلى جانب ذلك فلقد استطاعت دبي أن تحافظ على طابعها العربي والإسلامي بين أفراد مجتمعها، فبعكس كثير من الدول أو المدن التي تخلت عن هويتها من أجل أن تصطبغ بصبغة عالمية كسنغافورة وهونج كونج، فإن اللغة العربية والدين الإسلامي يدرّسان للطلبة في المدارس، لخلق توازن بين انفتاح دبي على العالم وبين قيمها التي تشكل هويّتها الحقيقية.

بعد أن انتهت المحاضرة التي كنت مع زميليّ نتلقّى فيها استفسارات كثيرة عن دبي، سألني أحد الطلبة عن الدولة أو المدينة التي حاولنا تقليدها في دبي، فقلت له إننا اطّلعنا على التجارب الناجحة في الغرب والشرق ثم صنعنا نموذجاً خاصاً بنا، من صميم العالم العربي، وقلت له بأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قد سئل يوماً إن كانت دبي هي هونج كونج الشرق الأوسط، فأجاب: «بل دبي هي دبي الشرق الأوسط».

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com