النجاح الذي حققه الرئيس الأميركي باراك أوباما في السابع من نوفمبر الجاري، حين أقر مجلس النواب الأميركي خطة إصلاح قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، يعتبر عامل دعم مهم هو في أمس الحاجة إليه في مناسبة مرور سنة على انتخابه للرئاسة الأميركية، وبعد أن شهدت سياساته الخارجية أوائل إخفاقاتها، خاصة ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية التي لم يبد إزاءها من العزم ما يعزز الثقة بقدرته على تنفيذ أجندته الانتخابية.
إصلاح النظام الصحي كان ضمن أجندة حملته الانتخابية، فهو يعتقد أن «الولايات المتحدة هي الدولة الصناعية الوحيدة التي لا يوجد فيها نظام رعاية صحية لكل مواطنيها، حيث هناك أكثر من 50 مليون أميركي بلا أي نوع من الضمان الصحي». وتهدف خطته إلى شمول 36 مليون أميركي بضمان صحي كانوا محرومين منه، إضافة إلى توفير الرعاية الصحية ل96 من الشعب الأميركي بكلفة في متناولهم، وتعزيز الدور الذي تلعبه الدولة.
ما حققه أوباما يعتبر بجميع المقاييس إنجازاً مهماً متميزاً، لم تشهده الولايات المتحدة منذ ما يزيد على أربعة عقود. والحقيقة أن مجلس النواب بإمراره هذه الخطة، ولو بأغلبية ضئيلة (220 مقابل 215)، قد خطا في اتجاه له دلالة خاصة تتجاوز مجرد الموافقة على عملية إصلاح في بنية نظام صحي يشكو من خلل كبير. فهل ستكون هذه المؤسسة التقليدية مؤهلة لإمرار تشريعات أخرى يحلم بها دعاة التغيير الذين دفعوا بالرئيس أوباما إلى البيت الأبيض؟
لا شك أن أوباما لم يكن ليحصل على الدعم الكبير الذي أوصله إلى الرئاسة، لو لم يجد فيه الناخب الأميركي بغيته في قيادة التغيير. ومع أنه باشر مهام منصبه في مواجهة أخطر أزمة اقتصادية تواجهها الولايات المتحدة للمرة الثانية في تاريخها، إلا أن نجاح التغيير، في أغلب الأحيان، يتأتى في سياق الخروج من المآزق الكبيرة والخطيرة، وليس في معالجة إفرازات الحياة اليومية التي لا يكدرها الكثير من الأدران.
التغيير الذي يطمح إليه الفرد الأميركي وحمّل عبء الإتيان به لباراك أوباما ليس بالأمر السهل، فطيلة العقود الثلاثة المنصرمة سيطر اليمين المحافظ على الساحة السياسية في عموم الغرب، وبشكل خاص في الولايات المتحدة مع مجيء الرئيس رونالد ريغان إلى سدة الرئاسة مطلع ثمانينيات القرن المنصرم. فقد حكم المحافظون معظم الدول الأوربية لمعظم تلك الفترة، حيث تعززت خلالها سلطة المؤسسات المالية وتعاظم دور المصارف وتضخمت قدرات الشركات الكبيرة، وتضاءلت تدريجياً سلطة الدولة.
وكان لسقوط جدار برلين ثم انهيار الاتحاد السوفييتي وتحول معظم دول المعسكر الاشتراكي إلى النظام الرأسمالي، أثر كبير في زيادة هيمنة المحافظين الذين نسبوا لأجندتهم النصر على الاشتراكية وهزيمتها.
ومع أن الديمقراطيين قد حكموا الولايات المتحدة مدة ثماني سنوات إبان الفترة الرئاسية للرئيس بيل كلينتون، وحكم العمال بريطانيا مدة تزيد على العشر سنوات، وحكم الاشتراكيون الفرنسيون والألمان بلديهما لبضع سنوات، خلال العقود الثلاثة المذكورة.
إلا أن تلك الفترة قد تميزت ببقاء الأطر العامة للسياسة الاقتصادية، تحت التأثير القوي لفلسفة الاقتصاد الحر والديمقراطية الليبرالية التي وضعها المحافظون، والتي شهدت تعاظم دور المؤسسات المالية إلى الحد الذي هيمنت به على مقدرات الأفراد الذين أصبح مئات الملايين منهم، في جميع أرجاء العالم، تحت طائلة الديون لهذه المؤسسات.
إجراءات الرئيس أوباما الأخيرة الخاصة باللوائح الصحية، مع أنها تعالج مشاكل مزمنة في المجال الصحي للمجتمع الأميركي، إلا أنها تعبر عن توجه بدأ يلقى دعماً ملحوظاً على مستوى صناع القرار، لإعادة الاعتبار للدولة وتحجيم الدور الذي تمارسه المصارف والشركات، ويعتبر بمثابة ضربة قوية لفلسفة الاقتصاد الحر المنفلت.
والحقيقة أن المؤسسات الكبيرة التي تعرضت للضرر بسبب الأزمة المالية، تجد نفسها أمام تداعيات ربما لم تأخذ بعضها في نظر الاعتبار. فقد رحبت هذه المؤسسات بمقاربة الإدارة الأميركية السابقة التي رصدت المبالغ لمنع انهيارها، فأثقلت بذلك كاهل الخزانة الأميركية التي ترزح تحت ثقل ديون كبيرة، إلا أن مقاربة إدارة الرئيس أوباما تنطلق من رؤية مختلفة، ترى أن مهمة الدولة هي معالجة جوهر المشكلة، وليس معالجة تداعياتها والسلبيات التي تركتها وراءها.
إمرار مجلس النواب للائحة الصحية الجديدة، هو إقرار بفشل السياسة الاقتصادية السابقة، وسحب للبساط من تحت أقدام شركات التأمين التي وقفت بشدة ضد تشريعه. إذ سيتيح مشروع القانون هذا للإدارة الأميركية، في حال إقراره في مجلس الشيوخ، صلاحية بيع وثائق التأمين، فتدخل بذلك كمنافس قوي للشركات الخاصة. كما أن القانون يلزم شركات التأمين بأن تشمل في تغطيتها الصحية أولئك الذين يعانون من حالات مرضية مسبقة.
فهل سيحصل أوباما على دعم مجلس الشيوخ؟ وهل سيتمكن من الاستمرار في تحقيق أجندته رغم العقبات التي تتعاظم أمامه؟ وهل سينجح في تحويل إجراء إصلاحي من هنا وآخر من هناك وثالث من هنالك، و... إلى برنامج متكامل لإعادة هيكلة النظام الاقتصادي ويعيد فلاسفة الاقتصاد الحر إلى مقاعد الدراسة؟
الكاتب الصحفي الأميركي توماس فريدمان لا يرى ذلك، فقد قلل في مقالته المنشورة في الثامن من نوفمبر الجاري في صحيفة نيويورك تايمز، من أهمية موافقة مجلس النواب على ما عرضه أوباما، على الرغم من عدم اعتراضه عليه. فهو يرى أن سياسات أوباما لا ترقى إلى مستوى الطموح بالتغيير وإعادة بناء الأمة الأميركية، التي يرى الكثيرون من أبنائها أن دولتهم، كقوة عظمى، في طريقها إلى الأفول.
كاتب عراقي