لم يكن انهيار جدار برلين قبل عشرين عاماً يعني إزالة حاجز بين شطري مدينة فحسب، ولا حتى بين شطري دولة هي ألمانيا، وإنما كان إيذاناً ببداية مرحلة تاريخية جديدة، لم يعد العالم بعدها كما كان في مختلف جوانب الحياة، وطيا لصفحة من تاريخ العالم المعاصر وفتح صفحة جديدة، بغض النظر عن إيجابيات ما قبل ذلك وما بعده، وسواء كان واحدنا مع «الماقبل» أو ضده، أو متحالفاً مع «المابعد» أو رافضاً له، فهذه مواقف أيديولوجية وسياسية، لا تغير من أهمية الحدث ومفصليته في تاريخ الإنسانية الراهن وفي تطورها المقبل.

لقد كان انهيار الجدار بداية انهيار منظومة البلدان الاشتراكية ومعها النظرية الاشتراكية برمتها، واستطراداً تحول الصراع الرئيس في العالم، الذي كان بين قوى الإمبريالية والرأسمالية الاحتكارية من جهة، وقوى التحرر والتقدم والاشتراكية من جهة أخرى، إلى صراع آخر، يراه البعض «صراع الحضارات» كما هي نظرية هانتنغتون، ويراه فوكوياما «نهاية التاريخ»، ويعتقد البعض الثالث أنه صراع بين الإسلام والغرب (المحافظون الجدد)، أو بين الأصالة والمعاصرة والتقليد والحداثة (مفكرو أوروبا الغربية الليبراليون الجدد).

ولم يعد الصراع العالمي الرئيسي واضحاً، فصار متعدداً ومتذرعاً بعدد التيارات السياسية والاقتصادية الرئيسية في عالمنا، إلا أننا لم نعد نسمع بصراع الطبقات أو تناقض الشمال والجنوب، وتمت تنحية الأيديولوجيا جانباً، واستغنت عنها الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية، بما فيها الأحزاب الشيوعية، لصالح مذاهب أخرى.

وأصبحنا نسمع ونقرأ شعارات «البراغماتية» و«المصالح» و«الواقعية» وغيرها من المصطلحات، وإن كان بعض أنصار الأيديولوجيا يصرون على أنها لم تمت ولن تموت، لكنهم لا ينكرون أنها نُحيت جانباً وتنام في سبات عميق.

لم تعد ألمانيا بعد انهيار الجدار وتوحيد شطريها، مهيضة الجناح كما كانت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما لم تعد فقط قوة اقتصادية مسلوبة من حقوقها السياسية والعالمية وتأثيرها الدولي، فقد استعادت «حقوقها» على النطاقين الأوروبي والعالمي، وصرنا نسمع أن من يفاوض إيران هو خمسة زائد واحداً، أي أعضاء مجلس الأمن الخمسة الدائمين بالإضافة إلى ألمانيا، وعاد الخوف من النفوذ الألماني في بلدان شرق أوروبا.

فمثلاً تأخر توقيع تشيكيا على الانتساب للوحدة الأوروبية، حتى أخذت الضمانات الكافية بعدم مطالبة ألمانيا بحقوق للألمان التشيك أو الألمان الذين ضموا إلى تشيكيا بعد هزيمة النازية. وأصبحنا نسمع بالنفوذ الألماني المباشر في بولونيا وتشيكيا وهنغاريا وسلوفينيا وغيرها من بلدان أوروبا. ومع أن مضمون النفوذ قد تغير، وخلا من التهديد العسكري، إلا أن ذلك لا يغير من الوجود الألماني الطاغي في هذه البلدان.

وبالتوازي صار الصوت الألماني مهيباً في الاتحاد الأوروبي ولم يعد صوتاً اقتصادياً فقط، فضلاً عن بدء مساهمة ألمانيا عسكرياً في بعض مشاريع حلف شمال الأطلسي ورفع الحظر عن مساهماتها الجديدة هذه.

تغير العالم منذ سقوط جدار برلين، وبديهي أن التغييرات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية التي حصلت في العالم، ليست نتيجة مباشرة لهذا السقوط بشكل ميكانيكي، ولكنها كانت ثمرة لتفاعل الظروف والعوامل الجديدة التي أحاطت بالتطور التاريخي للدول والشعوب، والتي لولا نضوجها لما استطاع الألمان لمس الجدار أو المطالبة بإزالته. وكان من حسن حظ الجدار أن سقوطه اعتبر بداية لعصر جديد.

كما كان اختراع المطبعة مؤشراً لعصر التنوير، وكانت الثورة الفرنسية مؤشراً لعصر النهضة، وحكم محمد علي باشا وسياساته بداية للنهضة العربية الحديثة.

يحتفل الجميع هذه الأيام بالذكرى العشرين لانهيار جدار برلين، كل لأهدافه وبطريقته، فالألمان يحتفلون بوحدتهم وامتلاكهم قوة جديدة تسمح لهم بأن يكونوا شركاء متساوين مع الدول الأوروبية الأخرى القوية كفرنسا وإنكلترا وإيطاليا، وأصبح طموحهم مشروعاً بأن يكونوا عضواً دائم العضوية في مجلس الأمن.

ويحتفل الأوروبيون بذكرى إزالة الجدار التي أنهت خوفهم من الاتحاد السوفييتي واضطرارهم طوال نصف قرن للنفاق والتدليس له، وخضوعهم للابتزاز الأمريكي الذي كان «يحميهم» بزعمه من احتمالات الاجتياح العسكري السوفييتي.

ويحتفل الأمريكيون لأن إزالة الجدار كانت بداية مرحلة عمدتهم قطباً وحيداً في العالم (مطلق الصلاحية)، وألغت القوة الكبرى الأخرى التي كانت تقف في وجه توسعهم ونفوذهم وهيمنتهم، بحيث أصبحوا بعدها «أسياد العالم» بلا منازع، وأقوى قوة في التاريخ الإنساني عسكرياً واقتصادياً.

هل تعني نتائج انهيار جدار برلين هذه أن تطور العالم سيبقى ثابتاً ونهائياً، وبالتالي فقد وصلنا إلى نهاية التاريخ كما قال فوكوياما؟ أم أنها مرحلة رسمتها ظروف وشروط موضوعية، أيديولوجية وسياسية واقتصادية وعسكرية، أدت إلى النهايات التي حصلت؟

لعل الجواب على هذا ليس معقداً ولا يحتاج لعناء كبير، فالتطور لا ينتهي وجدل الطبيعة والمجتمع مستمر، ولن يستقر تطور الشعوب وصراعها وتناقضها وتحالفها على شكل ثابت ونهائي لا يتغير ولا يتبدل، وتسير أحداث التاريخ على شكل لولبي صاعد متحول غير ثابت ولا نهائي، كما قال أحد الفلاسفة، رغم تنحية الأيديولوجيا جانباً.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org