د. إينا ميخائيلوفنا

كوريا الشمالية هي الطفل المدلل الذي لا يقبل الإهمال، وفي نفس الوقت لا تخضع بيونغ يانغ للتهديدات ولا تخشى العقوبات، لأنها تعيش فيها منذ سنوات طويلة مضت واعتادت عليها، بل أصبحت هذه العقوبات إحدى الدعائم القوية للنظام الشمولي الحاكم في كوريا الشمالية، لأنها أصبحت المبرر المنطقي للنظام أمام الشعب لأسباب التخلف الاقتصادي وتدهور مستوى معيشة المواطنين، في ظل الإنفاق الدائم والكبير على العسكرة والأمن.

الغريب في الأمر أن بيونغ يانغ، التي تملك بالفعل كل إمكانيات تصنيع السلاح النووي وتملك صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى هددت بها جيرانها أكثر من مرة، وتجري تجارب تفجيرات نووية علنا وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع، لا تلقى أي اهتمام جاد من الغرب وواشنطن، بعكس إيران التي لا يشكل برنامجها النووي أية تهديدات فعلية حتى الآن، وتصر دائما على سلمية برنامجها وعدم سعيها لامتلاك الأسلحة النووية.

ومع هذا تلقى إيران اهتماما بالغا من واشنطن والغرب، وإسرائيل التي لا تنفك تعلن مرارا وتكرارا عن نيتها الجادة في توجيه ضربة عسكرية لإيران.

ورغم تهديدات كوريا الشمالية المتكررة وإجرائها مؤخرا تجربة تفجير نووي، إلا أن واشنطن مصممة على اتباع سياسة هادئة معها، وفي الوقت الذي تهدد فيه واشنطن بتشديد العقوبات على إيران بدون أية مبررات، نجد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تعلن في منتصف أكتوبر الماضي، أن واشنطن لا تفكر في تخفيف أو تشديد العقوبات على بيونغ يانغ، وكأن الأمر لا يهمها في شيء!

وهذا الأمر يطرح علامات استفهام كثيرة حول جدية السياسة الأميركية في محاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل، خاصة وأنه ثبت أكثر من مرة قيام كوريا الشمالية بإمداد دول أخرى تضعها واشنطن في قائمة الإرهاب، بأنواع مختلفة من الأسلحة والصواريخ الحديثة.

وعلى ما يبدو فإن كوريا الشمالية لم تعد تطيق إهمال واشنطن لها، ولهذا عادت مرة ثانية لتعلن منذ أيام قليلة أنها تمكنت من إنتاج المزيد من البلوتونيوم الضروري لصنع المزيد من العبوات الناسفة النووية.

ودعت وزارة الخارجية الكورية الشمالية في الوقت نفسه، الولايات المتحدة إلى خوض مباحثات مباشرة مع بيونغ يانغ، لأجل إيجاد حل يمهد لاستئناف المباحثات متعددة الأطراف، الهادفة إلى إعلان شبه جزيرة كوريا منطقة خالية من الأسلحة النووية. وحذرت وزارة الخارجية الكورية الشمالية من أن بيونغ يانغ «سوف تسير على طريقها»، إذا رفضت الولايات المتحدة الحوار المباشر معها.

واتسم رد فعل الإدارة الأميركية على «نجاح» العلماء الذريين الكوريين الشماليين في تجاربهم النووية الجديدة، بالتحفظ غير المتوقع، إذ قال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأميركية إنه لا يريد أن يقول «إننا ندينهم».. وليس هذا فقط، بل قال إن البيت الأبيض مستعد للحوار المباشر مع بيونغ يانغ.

ورأى بعض الخبراء أن الهدف من إعلان بيونغ يانغ إنتاج المزيد من البلوتونيوم، حث الإدارة الأميركية على خوض المحادثات المباشرة مع كوريا الشمالية. واستدل الخبراء من رد فعل واشنطن، أن بيونغ يانغ ستحقق هدفها.

واعتبر البعض أن كوريا الشمالية كشفت بذلك عن امتعاضها من أن إدارة أوباما وضعت إيران في بؤرة اهتمامها في الأشهر القليلة الماضية، من دون أن تولي كوريا الشمالية الاهتمام الذي تستحقه.

ويرى آخرون أن كوريا الشمالية سعت إلى رفد مخزونها من البلوتونيوم بالفعل، وليس مجرد تهديدات فارغة لجذب اهتمام واشنطن. وكتبت صحيفة «كوميرسانت» الروسية تقول إن مخزون كوريا الشمالية من البلوتونيوم قبل ثلاثة أعوام، غطى الطلب على صنع عشر عبوات نووية.

والآن، وبعدما جربت كوريا الشمالية تفجير عبوات نووية في أكتوبر 2006 ومايو 2009، بقي بحوزتها ما يغطي الطلب على الكميات الكفيلة بإنتاج ثماني عبوات.. كل هذا والغرب وواشنطن لا يعيرون أي اهتمام للتهديدات الفعلية للنووي الكوري. أليس هذا تناقضاً غير مفهوم في سياسة الغرب وواشنطن؟

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelonna@mg>ru