في كل جوانب التنمية تقف معضلة التركيبة السكانية عائقاً، لأنها خلل في الأساس، وترك هذه المعضلة أمام حلول ارتجالية، أو منفردة أو جزئية لا يمكن أن يفي بمتطلبات العلاج والإصلاح، ولكن حينما تكون لدينا طاولة بحث مفتوحة على الدوام، وحينما يؤطر العمل والعلاج بالشمولية، فإن هذا يعني وضع المعضلة تحت مجهر واحد، والتعامل معها بأسلوب علمي مدروس وممنهج. فحينما يصبح لدينا مجلس اتحادي هدفه الوحيد معالجة خلل تأصل وظاهرة واحدة، فإننا نذهب إلى منطقة التخصص، وبالتالي تسهل عملية المعالجة.
الإطار الاتحادي للمجلس يعني فيما يعني توظيف كامل الجهود والإمكانات لعلاج شامل، ولمعلومات شاملة يأتي من خلالها إجراء شامل، فظاهرة التركيبة السكانية لم تنشأ من سبب واحد ولم يتهيأ لها ظرف واحد، هناك فوضى وهناك تداخلات في الإجراءات والمستويات أيضاً، هناك ثغرات وهناك أرضية غير طبيعية تفاقم أمرها. وحينما يكون لدينا جهة اتحادية تضع المجهر على الجرح وتشرع في علاجه، فهذا يعني أننا نقضي أولًا على تشتت الجهود.
فعلا آن الأوان لكي يكون لدينا مرصد أو مختبر نضع فيه هذه الظاهرة المعضلة لتدارك تأثيراتها السلبية على المجتمع. بلادنا مفتوحة، ولدينا طموحات وأحلام كبيرة في النهضة والتحديث، ونحتاج خبرات وأيادي عاملة، وهذا إلحاح وحاجة ومطلب، لكن هذا لا يعني أن تنطمس هوية المجتمع في بحر من الهويات الوافدة، والعاقل يؤشر دائماً إلى ضرورة التوازن. هذا التوازن هو ما يعول إنتاجه من خلال مجلس يختص بالظاهرة، يراقب ويدرس ويضع الحلول ويتحول مع الوقت إلى تيرموميتر يؤشر دائماً إلى الخطوط الحمر عند تجاوزها.
لا يختلف اثنان على أن انعكاسات التركيبة السكانية بدأت تضغط بقوة على التنمية التي يفترض أن يتمتع بها أهل البلد، وعلى هويته، ولا يختلف اثنان أيضاً على أن التقنية الحديثة اليوم، وبلادنا من البلدان المتقدمة فيها، توفر اقتصاداً في أعداد العمالة، وأن هناك أفكاراً ومشاريع بإمكانها أن تغني عن مئات من الآلاف نأتي بهم لإنجاز الأعمال.
ولا يختلف اثنان على أننا مطالبين بمزيد من العمل والتحمل والصبر لكي نحافظ على ثقافتنا. ولا يختلف اثنان على أن من أخطر التأثيرات على مستقبل أي مجتمع هو التغيرات الديموغرافية التي تطرأ عليه. خلل التركيبة السكانية.. كان سببه الفوضى وعدم المسؤولية، ووضعه أمام العلاج يعني تماماً الخيار الاستراتيجي الصحيح، قبل أن نذوب في هذا البحر المختلف عن بيئته ومكانه.
