نسمع كثيراً عن أشخاص ذوي قدرات جسدية خارقة، يستطيعون فعل ما يفوق القوة الطبيعية للجسد البشري، كأن يأكلون الزجاج أو المسامير، أو أن يسحبوا شاحنة مثلا بجفونهم، أو أن يحملوا الشاحنة أو أي شيء آخر بحجمها وثقلها، إلخ. بعضهم يعتقد أنه يفعل ذلك نتيجة قوة هائلة منحه الله إياها، وبعضهم يزعم أنه يفعل ذلك نتيجة تركيزه بشدة في شيء ما، فيكسبه هذا التركيز القوة الخارقة التي يتحلى بها.

ويكاد بعض الناس الطبيعيين يتفقون مع المبررات التي يسوقها أولئك عن القوى الخارقة التي يتحلون بها، ويذهب بعضهم إلى أن لهذا الأمر علاقة بالسحر والشعوذة، إذ كيف يمكن أن يسحب شخص شاحنة، وأحياناً ست شاحنات مرة واحدة بجفنه أو بحاجبه، دون أن يُخلع ذلك الجفن أو الحاجب من مكانه!

وإذا ابتعدنا عن سياق السحر والشعوذة، وألقينا بثقل اهتمامنا على زعم بعض أولئك بأن تركيزهم يمدهم بتلك القوى الخارقة، ويهيئهم لفعل ما يعجز عن فعله عدد من الرجال الأقوياء، فسنجد أن هذا قد يكون مفتاحاً لنا في كثير من أمورنا البسيطة والعظيمة، وهذا مجرد رأي قد يصيب وقد يخيب، لكنه ـ إن أصاب ـ قد نستطيع أن نتكئ عليه في تسيير بعض ما يتعرقل من أمور نعايشها يومياً، دون أن نتمكن من تجاوز تلك العراقيل التي تعترض نهر حياتنا، أو حتى أنهارها الصغيرة المتفرعة عن ذلك النهر الكبير، لا لشيء سوى أننا غافلون عن إدراك المفتاح السحري الذي بإمكانه أن يخلصنا من كل ما يقلقنا ويعكر صفو أيامنا.

الإرادة، إنها المفتاح السحري الذي يمكن أن يقلب حياة شخص من النقيض إلى النقيض، وهذا كلام معروف مكرور، كلنا يعرفه ـ نظرياً ـ حق المعرفة، لكن من منا يمارسه واقعاً عملياً بحيث يجعل من صحراء حياته القاحلة جنة خضراء ترزقه من ثمارها الجَنية كل حين؟ قلة هم الذين آمنوا بقوة الإرادة بقلوبهم وعقولهم، وطبقوا ذلك الإيمان في ممارساتهم وسلوكهم، فجنوا ما يستحقون أن يجنوه.

لا يمكن لأي منا أن يستمد الإرادة من خارج ذاته. «الذات» هي المكان الوحيد الذي يمدّ شخصاً بالإرادة، فالإرادة لا تُصدَّر ولا تُستورَد، بل يتفجر ينبوعها من الذات القادرة على خلق المعجزات، تماماً كما يستطيع أولئك الأشخاص ـ إذا ابتعدنا عن سياق السحر طبعاً ـ أن يفعلوا ما هو أقرب إلى المعجزات الجسدية حين يأكلون الزجاج أو الحديد، أو يحملون الأثقال التي قد تعجز عن حملها قافلة من الجِمال.

ليس صعباً أن يتحلى شخص بالإرادة، بل يكفي أن «يريد» أن يكون ذا «إرادة» حتى يتحقق له ذلك، وهي ليست قولا فقط، بل هي العمل ولا شيء غير العمل، «فما نيل المطالب بالتمني» كما قال أمير الشعراء من قبل، إذ أسهل ما يمكن فعله هو الكلام والركون إلى الأحلام والأمنيات، وهو ما نمارسه كل لحظة وكل ساعة، وهناك من يمارسه طوال حياته! ولكن هذه لا تسمى حياة بالمفهوم الحقيقي للكلمة، إذ هي أشبه بحلم طويل يعيشه أولئك الأشخاص وتنقضي أيامهم دون أن يتركوا بصمة، أو يُذكروا بعمل ينفعهم في حياتهم وينفع غيرهم بعد مماتهم.

نقرأ ونسمع كثيراً عن أشخاص يعانون من أمراض غامضة، وأحياناً مزمنة، وهي في كل الأحوال مؤلمة جدا، إلا أنهم يمتلكون من قوة الإرادة ما يسمح لهم بفعل ما لا يستطيع الأصحاء فعله وهم في كامل قواهم الجسدية، لكن تنقصهم القوة الروحية، والدوافع المعنوية التي تشعرهم أن حياتهم لن تكون ذات معنى، إلا لو استطاعوا أن يبدعوا في مجال ما، أو أن ينجزوا مشروعاً ما.

كثيراً ما أتساءل: هل يحتاج كل واحد منا أن يُبتَلى ببلاء ـ لا قدر الله ـ كي تتحرك في نفسه دوافع الإبداع، وكي يعرف أن لديه قدرات كامنة أكبر بكثير من هذه التي يستعملها فعلياً وأن عليه أن يستثمرها؟ وهل الإبداع ـ بكافة أنواعه، سواء في المجالات الأدبية أو العلمية أو الحياتية عامة ـ وليد المعاناة، ومن المستحيل أن يتشكل خارج رحمها؟ وهل تكون الإرادة في حالة خمولٍ في انتظار ظرف صعب كي تنشط وتُستفز؟

تمرّ هذه الأسئلة على ذهني كثيراً، ولكني أتذكر دائماً أشخاصاً يعيشون بيننا موفوري الصحة، ولا يعانون من ظروف صعبة على أي مستوى، استطاعوا أن يبدعوا وأن يقدموا الكثير بالإرادة الفولاذية، دون أن يكونوا أسيري مرض أو ظرف اجتماعي صعب أو غير ذلك من المعوقات التي تتحول إلى عوامل إبداع، فأدرك أننا نستطيع أن نفعل الكثير، دون أن ننتظر أن نوضع على محكّ الظروف الصعبة أو المحبطة.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com