يبدو أن هناك مؤشرات جادة حول أن قضية الصحراء الغربية سوف تشهد تحريكا في المرحلة المقبلة، بعد التجميد الذي شهدته في الفترة الأخيرة، حيث لم تسفر اللقاءات المباشرة التي عقدت بين المغرب ومنظمة بوليساريو عن أي تقدم بشأن إنهاء الصراع، عن طريق تطبيق خطة الأمم المتحدة أو أي خطة أخرى بديلة لها.

وهذه المؤشرات تبدأ من التصريحات التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في الرباط، والتي أكدت فيها دعمها للحل السلمي لمسألة الصحراء الغربية، وأن سياسة بلادها حول المنطقة لم تتبدل. وترجع أهمية هذه التصريحات إلى أن كلينتون، التي كانت تحضر لقاء حول الصراع العربي الإسرائيلي، أطلقت تصريحات حول هذه القضية، بما يعني أن هناك اهتماما أميركيا بالصحراء الغربية.

وهذه التصريحات حول عدم حدوث تغيير في الموقف الأميركي حول نزاع الصحراء، تمثل أيضا تطوراً لجهة إمكان القيام بمساعٍ لتخفيف التوتر في المنطقة، في ضوء انشغالات واشنطن بتنسيق جهود العواصم المغاربة في الحرب على الإرهاب والتصدي لتهديدات تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، كون هذا الأمر يحظى بالأولوية، لا سيما وأن رئيسة الدبلوماسية الأميركية ربطت بين استمرارية مواقف واشنطن، منذ ولاية الرئيس بيل كلينتون مروراً بولاية جورج بوش ثم الرئيس باراك أوباما.

وقالت: «أنا جد مسرورة أن علاقاتنا مع المغرب تعود إلى أكثر من 220 سنة»، مضيفة أن الأمر يتعلق بأعرق علاقة في العالم «لم يسبق لها أن توقفت، ولم تشهد أية صعوبات»، ورأت أن إبرام اتفاق التبادل الحر بين واشنطن والرباط «يعتبر مثالاً حداثياً لهذه العلاقات العميقة والواسعة جداً».

ثم عادت الوزيرة بعد أيام لتعرب عن أملها في معاودة فتح الحدود المغلقة بين المغرب والجزائر، وذلك في مقابلة بثها التلفزيون المغربي. وقالت إن واشنطن «يحدوها الأمل في فتح الحدود في المنطقة المغاربية، من أجل تفاهم إقليمي أفضل وتعاون اقتصادي يعود بالنفع على شعوب المنطقة». وأضافت: «حين ننظر إلى منطقة شمال إفريقيا والمغرب نجد أنها تزخر بمؤهلات كبيرة، من شأنها أن تضمن تحقيق نجاح اقتصادي».

أما المؤشر الأكثر أهمية، فهو انطلاق الاحتفالات بذكرى المسيرة الخضراء، والتي دعت فيها أصوات مغربية متعددة إلى بدء تطبيق الحكم الذاتي في الصحراء في إطار النظام الجهوي، أي أن تعلن المغرب عن تطبيق خطتها للحل من جانب واحد. وهو الأمر الذي أرجعه عدد من المراقبين إلى تراجع حدة التصعيد بين كل من المغرب والجزائر، وهو ما وضح في تصديق اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار، على قرار حول الصحراء اتخذ بالإجماع، فيما كان السجال بينهما من قبل يتخذ طابع المواجهة المحتدمة بين دبلوماسية البلدين، كلما نوقش هذا الموضوع.

ولكن الأمر الذي يمكن أن يعد مؤشرا في اتجاه آخر معاكس، هو أن معظم الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وعلى الرغم من موافقتها على الخطة المغربية، إلا أنها في نفس الوقت أعلنت عن دعمها لجهود الموفد الدولي كريستوفر روس، لإنهاء النزاع. وهذا الأمر يعني أن هذه الدول لن تعلن دعمها لأي خطوة مغربية منفردة، وإنما لا بد أن يكون الحل من خلال جهود موفد الأمم المتحدة، أي في إطار مفاوضات «منهاست» بين كل من المغرب وبوليساريو، وهو ما يعطي الأخيرة حق النقض على أي خطوة مغربية منفردة.

وهذه المعضلة يمكن حلها من خلال إعطاء أعضاء منظمة بوليساريو دورا ما في إدارة الحكم الذاتي المتوقعة، ويمكن أن يتم ذلك في إطار مفاوضات منهاست أو من خلال لقاءات ثنائية غير معلنة بين الجانبين. وبالطبع يمكن للقوى الداعمة لبوليساريو أن تضغط عليها، حتى توافق على التسوية وفقا لهذا الطرح.

والأمر الذي يؤكد إمكانية حدوث هذه الضغوط، ما أعلنه ولمّح إليه مسؤولون مغاربة من أن هناك توجهاً لمعاودة تفعيل الاتحاد المغاربي، في ضوء صدور دعوات أوروبية وأميركية لإقامة تكتل سياسي واقتصادي في المنطقة، يصبح محاوراً للشركاء الأوروبيين والأميركيين في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.

وقال وزير الخارجية المغربي الطيب الفاسي الفهري في هذا الصدد، إن الدول المغاربية الخمس «كانت حاضرة في منتدى المستقبل، وحاولت إظهار خصوصيات المنطقة المغاربية، التي لا يمكن مقارنتها بما يحدث في مناطق أخرى»، مؤكداً وجود إرادة لتكثيف التعاون والتبادل.

لكنه استدرك أن هناك «صعوبات تعيق الاندماج المغاربي»، في إشارة إلى تداعيات نزاع الصحراء وجمود آليات الاتحاد المغاربي. وهذه التصريحات يمكن ربطها بتخفيف حدة التصعيد بين المغرب والجزائر في الفترة السابقة، وهو ما يعني أن الدول المغاربية، وعلى رأسها الدولتان المعنيتان بالصراع الصحراوي، تدركان أن مصلحتهما الوطنية تتطلب البحث عن حل سريع لهذه المسألة، حتى تنخرط معا في التكتل الإقليمي المشار إليه.

والحاصل أن كل هذه المؤشرات تعني أن المسألة الصحراوية لا بد وأن تشهد تحريكا ما في الفترة المقبلة، وشرط نجاح هذا التحريك هو أن يتم من خلال جهود كريستوفر روس موفد الأمم المتحدة، أي من داخل مفاوضات منهاست، وهو ما يعني أن الفترة المقبلة قد تشهد عقد اجتماع بين الأطراف المعنية، من أجل تحريك المسألة الصحراوية، وما سوف يسفر عنه هذا الاجتماع سيكون هو المؤشر النهائي حول أسلوب الحل وتوقيته، وحول ما إذا كانت الشروط قد أصبحت مهيأة للحل أم لا.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com