بعد مرور أكثر من خمس سنوات شهدت خلالها العلاقات الروسية البريطانية حالة متصاعدة من التوتر، وجولات من الصدام بين موسكو ولندن، قام وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند بزيارة إلى روسيا التقى خلالها مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وكان هدف اللقاء إعادة إطلاق علاقات التعاون بين البلدين، وتجاوز الأزمات والخلافات السابقة.

ولعل بداية الأزمة كان مع انتقال رجل الأعمال الروسي ـ الإسرائيلي بوريس بيريزوفسكي، للإقامة في بريطانيا هاربا من اتهامات موجهة إليه في روسيا بنهب المال العام. ومنذ ذلك الحين بدأت سلسلة من الخلافات تطفو على السطح بين البلدين، بعد أن أصبحت بريطانيا مقرا للمليونير الهارب ولمؤامراته ضد الكرملين. وخلال السنوات الأربع الأولى من الألفية الثالثة، تركز نشاط بيريزوفسكي على دعم الاتجاهات المعادية لروسيا في كل من جورجيا وأوكرانيا مع ظهور الثورات الملونة، وكان ذلك يتم بشكل مالي أو سياسي.

وعقب انتهاء مرحلة الثورات الملونة، وفشلها في عزل روسيا، بدأت تحركات هذا المليونير المريب تأخذ اتجاهات أخرى، منها محاولة السخرية من انتخابات الرئاسة عبر دس مرشحين غير جادين، أو إقامة شبكة من العملاء السابقين للمخابرات الروسية واستخدامهم في مختلف مجالات نشاطه. وأصبح الكسندر ليتفينكو أحد عناصر أو ضحايا بيريزوفسكي منذ أن كان في موسكو، بعد أن قرر التعاون معه.

ولن نسبق القضاء في توجيه الاتهام، إلا أن عملية اغتيال ليتفينكو فجرت أزمة سياسية بين موسكو ولندن، بعد أن أصرت بريطانيا على تسليم أندريه لوجافوي (ضابط سابق في الاستخبارات الروسية) نائب البرلمان الروسي، المشتبه في تورطه في هذه العملية من قبل السلطات الأمنية البريطانية.

وكان رفض موسكو الاستجابة للطلب البريطاني منطقيا، ليس فقط لأن بريطانيا ترفض تسليم عدد من القادة الانفصاليين الشيشان، ورجل الأعمال بوريس بيريزوفسكي الذي يتهم بارتكاب جرائم مالية، إلى روسيا، وإنما أيضا لأن الدستور الروسي يمنع مثل هذا الأجراء. وعرضت موسكو على بريطانيا إجراء التحقيقات والمحاكمة بشكل مشترك على الأراضي الروسية، إلا أن السلطات البريطانية رفضت، وفي أعقاب ذلك قامت بريطانيا بطرد عدد من الدبلوماسيين الروس. وتفاقمت أزمة العلاقات باشتعال فتيل الحرب في القوقاز صيف عام 2008.

ولكن، ما الجديد الذي دفع الحكومة البريطانية لاتخاذ خطوات عملية نحو تحسين العلاقات مع روسيا؟ يمكن القول إنه لا جديد، سوى إدراك لندن لحقائق الأمور، واستيعاب الأوساط السياسية البريطانية لفكرة هامة، وهي أن صلات التعاون بين روسيا وبريطانيا أكثر أهمية من هذه الخلافات، التي يمكن القول إنها اختلقت لإفساد هذه العلاقات.

لا شك أن حجم الاستثمارات الروسية في بريطانيا يشكل حصة مهمة في الاقتصاد البريطاني، كما أن شركة «غاز بروم» أقدمت على توسيع أعمالها في أوروبا الغربية، عبر شراء شركة «سنتريكا» البريطانية التي تزود 12. 6 ملايين مستهلك، وتبلغ حصتها في أسواق الغاز للمستهلكين حوالي 60%.

كما تغطي 15% من احتياجات المؤسسات الصناعية والتجارية البريطانية، ويقدر رأسمال الشركة بحوالي 18 مليار دولار، إضافة إلى أنها تمتلك مليون منشأة صناعية في مجال الطاقة ومحطات كهرباء في بريطانيا وبلدان أوروبية أخرى، الأمر الذي يشير بوضوح لأهمية التعاون والتنسيق بين البلدين.

وعلى الصعيد السياسي سنجد أن رئيس الحكومة البريطانية السابق لم يكن ليصبح ممثلا لرباعي الوسطاء الدولي لتسوية أزمة الشرق الأوسط، لو لم يحصل على مساندة روسيا، كما أن البلدين يواجهان تحديات ومخاطر حقيقية من جانب قوى الإرهاب الدولي، ما يجعل قرار السلطات البريطانية بإيقاف التعاون بين أجهزة الأمن الروسية والبريطانية، يسبب أضراراً بالدرجة الأولى لبريطانيا ونشاط أجهزتها في مواجهة الإرهاب والتطرف، ليس فقط في أوروبا وإنما أيضا في أفغانستان التي أصبحت تحتل البند الأول في أولويات الغرب.

ويبدو أن هذه المصالح كانت الدافع الذي جعل وزير الخارجية البريطاني ميليباند يؤكد حرص بلاده على مواصلة العمل المشترك، ليس فقط على مستوى وزيري الخارجية، بل وعلى مستوى كبار المسؤولين الآخرين، بهدف تنمية الصلات في مختلف المجالات. ولا شك أن لندن لا ترغب في مواصلة التركيز على الخلافات، وإنما تسعى للبحث عن مجالات ونقاط في السياسة الدولية، يمكن أن تلتقي فيها مصالح روسيا وبريطانيا.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru