لديّ الكثير من الأدلة على أن جدي لأبي لم يكن يعاني مما نسميه اليوم «عقدة الخواجة»، أي الشعور بالنقص إزاء الأوروبيين والأميركيين.

ولد جدي في منتصف القرن التاسع عشر، وعاش حتى أوائل العشرينات من القرن العشرين، إذن فقد عاش الجزء الأكبر من حياته في ظل الاحتلال الإنجليزي.

ومع ذلك فإني من خلال ما سمعته من أبي عنه، ومما كتبه أبي في سيرته الذاتية، أستطيع أن أقطع بأن جدي لم يشعر بالنقص إزاء الإنجليز أو غيرهم من «الخواجات»، وأن ذلك لسبب بسيط هو إيمانه العميق بأن كونه مسلما يجبّ كل الفضائل الأخرى، وأن كل ما قد يكون بيد الأجنبي من سلع، وما قد يزهو به من قوة، لا يساوي شيئا في نهاية الأمر، إذا قورن بأن يولد المرء مسلما وينفذ فرائض الإسلام.

وعلى أي حال، فقد ظلت السلع التي يمكن أن يكون قد رآها جدي في يد الأجنبي، ضعيفة الإغراء وقليلة الانتشار. لا بد أن جدي قد وجد، مثلا، من السهل جداً في شيخوخته أن يستغني عن جهاز الراديو، وأن يقنع بما في بيته من أثاث بسيط، ولا أظنه ذهب مرة واحدة في حياته إلى المسرح، ناهيك عن السينما، ولا استمع إلى أغنية مسجلة على أسطوانة، كما أن من المؤكد أنه لم يخطر بباله أن يستبدل الزي الأوروبي بزيّه الأزهري.

كان الأمر مختلفا جداً مع أبي، مما جعل عقدة الخواجة عنده أقوى بكثير مما كانت عند جدي، وإن كانت أقل قوة، بكل تأكيد، مما أصبحت في جيلي أنا وإخوتي. لم تنشأ عقدة الخواجة عند أبي (كما فهمت من كتابه «حياتي») مما شاهده من سلع استهلاكية فاتنة مما أنتجه الغرب، بل كانت بدايتها غريبة وغير مألوفة، إذ كانت أخلاقية وعلمية.

فهو يروي كيف أنه في مطلع شبابه، وكان قد اشتغل مدرسا للغة العربية في إحدى مدارس الإسكندرية، تعرّف على مدرس آخر يكبره كثيرا في السن، ويدرس اللغة العربية أيضاً ولكن في مدرسة أخرى، فبهر بعلمه وخلقه، ويصفه بقوله «كان طويل القامة، معتدل الجسم، جميل الوجه، ذا لحية سوداء، نظيفا في ملبسه، أنيقا في شكله من غير تكلف...

وكان متدينا، بل كان صوفيا... وكان مع تصوفه هذا واسع الأفق حرّ الفكر، لا يدين بشيء من الخرافات والأوهام، ويؤيد الشيخ محمد عبده في دعوته إلى الإصلاح. وكان في مدرسته محبوبا محترما، يجله زملاؤه ورؤساؤه وتلاميذه، أبيٌّ النفس، عزوفا عن الصغائر، يعتمد في دروسه مع تلاميذه على الحب لا على الإرهاب، ويترك لهم الحرية في الحديث والنقد إلى درجة تشبه الفوضى، حتى كان تلاميذه يسمونه الشيخ الإنجليزي، لترفعه وحريته وصدق قوله وسعة أفقه».

هكذا كان رأي أبي في الإنجليز إذن، وهو يكتب كتاب «حياتي»، أو على الأقل وهو في مطلع شبابه، ثم زادت قوة هذا الشعور بالنقص إزاء الخواجة، عندما شعر أبي بالغيرة مما كتبه المستشرقون الأوروبيون والأميركيون عن الإسلام، إذ يروي في نفس الكتاب: «و يوما قابلت صديقي أحمد بك أمين (وهو سميّه أستاذ القانون) وجلسنا في مقهى، وذهب الحديث فنونا إلى أن وجدته يقول إنه عثر على كتاب إنجليزي قيم لمستشرق أميركي اسمه مكدولاند (شومٌُُه؟ ُن ةٌَّفٍ)، وأنه قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام: قسم يتعلق بنظام الحكم في الإسلام، وقسم في تاريخ الفقه الإسلامي، وقسم في المذاهب والعقائد الإسلامية.

وأخذ يطري الكتاب ويحكي بعض آرائه، فاستفزني الموضوع، وقلت: هل تستطيع الآن أن تذهب معي إلى مدرسة «برلتيز» لأرتب دروسا لي في الإنجليزية فقبل، وأقسمت أن أتعلم وأن أقرأ هذا الكتاب بلغته. وذهبنا إلى المدرسة ورتبنا دروسا ثلاثة في الأسبوع بمئة وخمسين قرشا كل شهر».

لا بد أن أبي، بالإضافة إلى ذلك، قد بهرته أيضاً بعض منتجات التكنولوجيا الغربية، فقد ركب القطار كثيراً (مما لم يفعله جدي إلا نادراً، وركب الباخرة والطائرة (مما لم يره جدي قط)، ورأى إنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وسويسرا، وكتب كلاما مؤثرا في مدح ما رآه من سلوك الإنجليز في بلادهم:

«... رأيت كبار الإنجليز وسمعت أقوالهم، وأصغيت إلى تفكيرهم... أكبر ما يمتازون به علينا توزيع الاختصاص، والنظام الدقيق، وثقة الكبير بالصغير، والصغير بالكبير، ومعالجتهم الأمور معالجة علمية منظمة، فكل شيء مدروس ولا شيء مرتجل، والغرض محدد وأساليبه مرسومة، لا ارتجال ولا فوضى ولا تفكير عفو الساعة.

كما أعجبني في الشعب ديمقراطيته الحقة، فكل إنسان ينظر إليه على أنه إنسان، كبيرا كان أو صغيرا... هذا وزير خارجية إنجلترا يلبس قميصا بليت ياقته، وهذا وزير المستعمرات يقول في بعض أحاديثه معنا: أنه لم يشتر بدلة جديدة منذ نشبت الحرب... وهذه الطوابير المنظمة في كل شيء، لا يحق لأحد فيها أن يتقدم مَن قبله...».

إني لا أعلق أهمية كبيرة، من حيث قوة عقدة الخواجة عند أبي، على استبداله الزي الأوروبي بالزي الأزهري، وهو في نحو الأربعين من عمره، فلم يكن هذا بسبب عقدة الخواجة في ما أظن، بل لاقتناعه بأن العمامة رمز لرجل الدين وقد أصبح، وقد انضم إلى هيئة التدريس في الجامعة المصرية، رجل علم وأدب، بالإضافة إلى: «ما كنت ألاقيه في لبس العمامة من عناء، فعامة الناس في مصر، وخاصة في المدن، يجلّون العمامة ظاهرا ولا يجلّونها باطنا، ويوقرون الطربوش غالبا، ويتغلغل في نفوسهم مبدأ مقرر، وهو أن صاحب الطربوش يحترم إلا إذا ظهر عكس ذلك، وصاحب العمامة يحتقر إلا إذا ظهر عكس ذلك..».

ولكن أليس في هذا تسليم من جانب أبي بقوة عقدة الخواجة عند عامة الناس؟ أما عن جيلي أنا فقد حدثت له تطورات مهمة تتعلق بعقدة الخواجة، مما يحتاج إلى مقال مستقل.

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu