كان استبدال بغداد بالقدس للاحتفاء بها عاصمة للثقافة العربية للعام 2009 مفارقة لافتة، باعتبار أن العاصمتين واقعتان تحت براثن احتلالين؛ إحداهما مهددة في دورها كقوة عربية تاريخية كبيرة، والأخرى مهددة في هويتها وبطاقة تعريفها الفلسطينية العربية الحضارية بشقيها الإسلامي والمسيحي.
المنطق يقول بأن الأوضاع الخاصة المحيطة بالاحتفالية والمثبطة لها جدلا، لم تكن من نصيب بغداد فقط، وإنما تمتد أيضا للقدس. لكن وزراء الثقافة العرب لم يجدوا حرجا في اتخاذ زهرة المدائن عاصمة للثقافة العربية عام 2009، فيما يعد نوعاً من الاستجابة لتحدي هذه الخصوصية.
نلمس هذه الاستجابة من خلال الرؤية العامة للاحتفاء بالقدس، التي جرى تداولها فلسطينياً وعربياً، والتي تضمنت «.. التأكيد علي القدس كجزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وتكريس بعدها السياسي كعاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة، ومكانتها في الوجدان الديني والإنساني، وتجذير هويتها الثقافية العربية، ودعم الوجود الفلسطيني وصموده فيها...».
لعل أكثر ما يسترعي الانتباه بين يدي الرؤية العامة والأهداف التي توخى الفلسطينيون عموماً تحقيقها على هذا النحو، هو وعيهم الشديد بأنهم بصدد الاحتفاء بمدينة ليست كباقي المدن وعاصمة ليست كسائر العواصم.. قدسية المدينة ومقامها الرفيع تاريخياً وروحياً، ووضعيتها تحت احتلال ليس كبقية الاحتلالات، كونه يستهدف هويتها واختطافها واقتطاعها كلياً تحت عباءة تهويماته الدينية وأسطورته التاريخية، هذه المعطيات جميعها، فرضت عليهم اشتقاق برنامج للاحتفالية مشحون بنقاط العمل والفعاليات غير التقليدية.
تتجلى هذه الحقيقة في المفاهيم التي ترددت بتكرارية واضحة في خطاب الاحتفالية، ولا نجد لها نظيراً في الاحتفاليات الموصولة بالعواصم الأخرى، عربياً أو دولياً.. مثل: تجذير الهوية الثقافية للقدس؛ دعم الوجود الفلسطيني في القدس؛ التصدي لإجراءات الاحتلال؛ تعزيز الهوية الثقافية العربية للقدس... فاحتلال القدس ومحاولات تهويدها، كانت حاضرة في خطاب الفعالية وطموحاتها.
فمن ناحية، ثبت ميدانياً أن المرافق والمنشآت الثقافية والتربوية، كالمسارح ودور السينما والمراكز البحثية وبيوت الفن والموسيقي والمدارس والأندية الرياضية والمناطق الأثرية ونحوها.. ليست مؤهلة للتعامل مع فعاليات الاحتفالية وأنشطتها، وهو ما حاول منظمو الاحتفالية استدراكه بتخصيص أموال وجهود نجحت جزئيا في ترميم البنية التحتية الثقافية للمدينة، بحيث تليق بالاحتفاء بها عاصمة للثقافة العربية.
ومن ناحية ثانية، لم تدع إسرائيل وسيلة إلا استخدمتها للحيلولة دون مرور الاحتفالية داخل القدس، وفي رحابها الفلسطينية ومحيطيها الإقليمي والدولي. فهي حظرت أية أنشطة أو فعاليات تتصل بالاحتفالية من قريب أو بعيد داخل المدينة، وبذلت في الوقت ذاته جهوداً للتشويش علي مثل هذه الأنشطة وملاحقتها وإدانتها علي كل الصعد الممكنة الأخرى. وربما كان عام الاحتفالية من أكثر الأعوام التي شهدت تكثيفا في إجراءات تهويد المدينة، إلى درك تغيير أسماء الشوارع.. الأمر الذي استهدف التغطية على الاحتفالية وإشغال الناس عنها.
ويدعو للأسى والاستفزاز، من ناحية ثالثة، وقوع الاحتفالية فريسة النزاعات والخصومات الفلسطينية الداخلية، الأمر الذي بدت تداعياته واضحة في الشوشرة عليها كحد أدنى، والاستخفاف بها أحياناً.
فقد أدى المشهد الفلسطيني المفتقد لشرط الوحدة الوطنية إلى تبهيت فعاليات الاحتفالية.. حتى أن المنشغلين والمهتمين وجدوا أنفسهم، ليس فقط أمام لجنتين للاحتفالية، وإنما أيضاً أمام انطلاقتين لها. كانت أولاهما في مقر المجلس التشريعي في غزة يوم 7 مارس 2009، وكانت الثانية، وهي الأكبر والأشهر، في قصر المؤتمرات في مدينة بيت لحم يوم 21 مارس!
وإذا كانت الاحتفالية قد تأثرت بالانقسام الفلسطيني، فإنها أيقظت بالتوازي والتزامن فتنة التناظر حول حديث التطبيع العربي مع إسرائيل؛ الثقافي منه بصفة خاصة. فعلى هامشها، أثير جدل حول ما إن كان التواصل مع القدس وفلسطين المحتلة عضوياً، بالزيارة والمشاركة في فعاليات الاحتفالية، يمثل كسراً لحظر التطبيع المفروض من مؤسسات مدنية وثقافية عربية.
وفي السياق، رحبت أطراف بهذه المشاركات، بذريعة أن زيارة السجين لا تعني الاعتراف بالسجان.. فيما دفع آخرون بضرورة الإبقاء على سياسة عدم التطبيع مع إسرائيل، حتى إن اقتضى ذلك الإحجام عن زيارة القدس. على الرغم من هذه الصعوبات والأوضاع المعاكسة، فإنه لا يمكن الزعم بأن المناسبة قد فشلت كليا أو ذهبت بلا أثر.
وفي الوقت ذاته يصعب الادعاء بأنها حققت كل مراداتها، أقله وفقاً للبرامج والمخططات الفلسطينية (والعربية) الطموحة التي صيغت لهذا الغرض. لقد كانت احتفالية تحت الضغط، مضت فعالياتها وطقوسها على حبل مشدود، وفي حدود أقصى الممكن.
كاتب وأكاديمي فلسطيني