«كفاكم».. «تسقط المصارف الكبرى».. «إذا كنتم أكبر من أن تسقطوا فأنتم أكبر من أن توجدوا». ارتفعت كل هذه الهتافات وغيرها في مِؤتمر رابطة المصرفيين الأميركيين في شيكاغو. وعادة ما تكون مؤتمرات الرابطة فعاليات مهنية صرفة، فهي تضم ورشا حول استراتيجيات الاستثمار، ويتبادل فيها المصرفيون الطموحون والمحبطون بطاقات التعريف، ويأملون في التواصل في ما بينهم وتقديم التقارير حول الضغوط والتشريعات.

وخلال تجمع المصرفيين الأميركيين مؤخرا في شيكاغو، جوبهوا بألوف المواطنين الأميركيين الذين يطالبون بوضعهم موضع المساءلة. وقام مواطنون أميركيون بمسيرات إلى مقر جولدمان ساكس، مطالبين بقيام المسؤولين هناك بوضع مبلغ ال23 مليار دولار الذي كانوا قد خصصوه للمكافآت، في صندوق يكرس لمنع حبس الرهن على المستوى القومي.

والناس في أميركا لهم كل الحق في أن يستبد بهم الغضب، ففي المقام الأول عمدت وول ستريت مدفوعة بملايين الدولارات المخصصة كحوافز لكبار المصرفيين، إلى الانغماس في المضاربة التي توجت بالانهيار، وهددت الخسائر بإغراق الاقتصاد الأميركي في ركود عالمي. وقام بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في عهد بوش، ووزير الخزانة الأميركي هانك بولسون وهو مسؤول سابق في جولدمان ساكس، بإبلاغ الكونغرس بأنه يتعين تقديم صك على بياض للمصارف بقيمة 750 مليار دولار، أو مواجهة كارثة. وشددا على أن هذا المال لن يكون لوول ستريت، وإنما لـ «مين ستريت» لمواصلة سير أنشطة الأعمال وتشغيل الناس.

وهكذا قدم الكونغرس المال، وكان ذلك مجرد غطاء لتريليونات الدولارات التي ضخها الاحتياطي الفيدرالي إلى القطاع المالي، من دون اقتراع من جانب الكونغرس. واستولت المصارف الكبرى على مليارات الدولارات بصورة مباشرة، والمزيد من المليارات بشكل غير مباشر في صورة العديد من أشكال الدعم والضمانات، وهي تخرج الآن من الأزمة أكبر وأكثر تركيزا، وبضمان صريح بأنها لن تمنى بالفشل. وعلى الفور عادت إلى القيام بالمضاربات الخطرة ذاتها التي كانت في صميم انهيار الاقتصاد، ونحت جانبا مليارات الدولارات لتقع في صورة مكافآت لكبار مسؤوليها.

ولكن بينما كانت وول ستريت تضع يدها على السيولة، كانت مين ستريت تتداعى. فالمصارف لا تزال بعيدة عن تقديم القروض لأنشطة الأعمال، وأنشطة الأعمال الصغيرة، وهي المولد المحوري لفرص العمل، لا تزال تواجه الصعوبات في الحصول على القروض. وتحقق المصارف أرباحا من خلال المضاربات الخطرة، وإثقال كواهل المودعين وحملة بطاقات الائتمان بالرسوم والغرامات، وهي بمقدورها الاقتراض بفائدة قيمتها صفر من الاحتياطي الفيدرالي، والاستثمار في سندات الخزينة وتحقيق أرباح، وليست لها شهية للعودة إلى العمل الأكثر مشقة المتمثل في تقديم قروض لـ «مين ستريت».

وتستمر عمليات حبس الرهن في الزيادة، ويتعرض أكثر من منزل واحد من كل أربعة منازل مرهونة في أميركا لخطر الغرق المالي، بمعنى أن قيمتها تصبح أقل من الرهن. وقد قاومت المصارف إعادة التفاوض على الرهون، وتقليل قيمة الدين والسماح للناس بالبقاء في بيوتهم، وهي تقوم كارهة ببعض التعديلات، ويأخذ ذلك عادة صورة مد أجل استيفاء الدين، ولكن على أساس بحث كل حالة على حدة فقط، بينما تتعرض أحياء بكاملها للدمار.

ويقول الرئيس أوباما إنه ليس بوسعنا العودة إلى اقتصاد يضع التمويل يده فيه على 40% من الأرباح، ولكننا في طريقنا الآن إلى هذه الوضعية. وليس في مقدورنا العودة إلى نظام مصرفي مركز، يمكن للمصرفيين فيه المقامرة عارفين أنهم أكبر من أن يسقطوا، ويضعوا الأرباح في جيوبهم ويغطي دافعو الضرائب خسائرهم. ولكننا الآن عند هذه الوضعية، ولا يمكن أن نكون قد أنفقنا تريليون من الدولارات لإنقاذ وول ستريت، بينما تواصل ميت ستريت المراوغة، ولكن هذا هو ما يحدث الآن.

ويوبخ الرئيس الأميركي المصارف لضغطها في مواجهة الإصلاحات الضرورية لوضعها موضع المساءلة، ولكن الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة والكونغرس ضخوا لتوهم مليارات الدولارات إلى البنوك، من دون أي حظر على ممارسة الضغوط من جانب مسؤولي هذه المصارف، ومن دون أي حظر للمضاربة الخطرة، ومن الصعب الشعور بالصدمة حيال مسارعة المصارف إلى الضغط من أجل إيقاف فرض الضوابط عليها.

من هنا جاءت المواجهة في شيكاغو، التي كانت بمثابة إخطار للكونغرس والإدارة الأميركية، بأن الشعب الأميركي لن يقبل العودة إلى اقتصاد يجني فيه المصرفيون السيولة، ويلقون بالخسائر على كاهل دافعي الضرائب عندما تنهار مضارباتهم، ولا مجال لإنفاق أموال دافعي الضرائب لكي يحصل مسؤولو المصارف على مكافآت بملايين الدولارات.

بينما أنشطة الأعمال الصغيرة لا تستطيع الحصول على القروض، وتخسر العائلات بيوتها، ويجد حاملو بطاقات الائتمان أنفسهم في مواجهة رسوم جديدة ومعدلات فائدة أعلى.

ومواجه شيكاغو هي التعبير الأول، ولكنه لن يكون الأخير، عن غضب رجل الشارع الأميركي حيال ما يجري في وول ستريت من ممارسات للضغوط، وتجنب للضوابط الكفيلة بتحقيق نشاط اقتصادي سليم.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية