كنا نقول بالأمس إن مدارس زمان كانت أكثر قدرة على استيعاب متطلبات المجتمع، وكانت أكثر توازنا في تعاطيها مع تنمية شخصية الطالب لديها، وكان التوازي قائما بين إكساب المهارات العلمية وإكساب الطلبة روح العمل الجماعي وتنمية المواهب.. القارئات، أم سيف وأم شهد وموزة والقارئ محمد حسيني، أضافوا بتعليقات وكلامهم عن تلك الذكريات الجميلة والمفيدة والتي بلا شك ما زالت باقية بالتأكيد كخبرات سلوكية فيهم وفينا كلنا من الذين تأسسوا على مدارس زمان.

التعليقات ذكرتني أيضا بأختي حينما كانت تعود من مدرستها لنبدأ حكاية ثانية مع ما جاءت به من التدبير المنزل،، فأختي كانت تصر على أن تطبق ما تأخذه في تلك الحصة علينا. ولأن أيام زمان لم يكن «الكيك» والكاتوه» متوفرين في محطات البنزين مثل اليوم ولا البقالات، ولم يكن لدينا مولات ولا كوفي شوبات، بهذه الوفرة المتوفرة اليوم، فكان أن تصنع لنا أختي كيكا بالطريقة التي تعلمتها في المدرسة حدث مهم ليس في بيتنا، بل في الحي كله. لكن كانت تبقى حصة الكيك أسهل وطأة علينا في المنزل حينما تحيل أختي المطبخ إلى فوضى، لأن حصة التطريز سوف تجعل أختي تعود إلى المنزل لتبدأ رحلة تزيين المخدات، وصنع أشكال مختلفة عبر فن «التريكو».

كانت مدارس زمان تخرج أيضا زوجات يمتلكن من الخبرة المنزلية ما يضمن لهن حياة كريمة، وقادرات على تدبير أنفسهن. ومع كل هذا كانت أختي تنشد في وسط حوش بيتنا قصائد للشابي وحافظ إبراهيم وشوقي من متطلبات منهج اللغة العربية، وكانت تفترش الأرض بوسائل النشاط لترسم خارطة الوطن العربي، تلون وتحبر وتقيس بالمسطرة والفرجار، وكانت تردد مقاطع عن جغرافيا الجزائر وتونس والمغرب، حينما تكون أمام اختبار شهري، فتزعجنا بصراخها وهي تحاول أن تحفظ ماذا يحد ليبيا من الجهات الأربع.. كانت حكاية.

أم سيف وأم شهد وموزة.. اعتقد انكن تعدن إلى تلك الذاكرة مرات ومرات، هناك فرق بين تلك المدارس وتلك المناهج واليوم.. لم يتغير التلاميذ، الناس هم، هم بطبائعهم ورغباتهم الأصيلة يكتسبون سلوكيات ويخسرون أخرى، لكن منهج التعليم هو الذي يستند إلى أهداف مرتبطة بمخرجات تعليمية واضحة، من وضعها يعرف تماما ماذا يريد، والى أين يريد الوصول. اعتقد أن حصة التدبير المنزلي لم تكن هكذا جزافا، ولكن لأن واضع المنهج كان يسعى إلى جيل من الأمهات على درجة كافية من القدرة على الاعتماد على أنفسهن. أيام كانت للمدارس فلسفات واضحة في معنى التربية والتعليم.

mhalyan@albayan.ae