لماذا؟ سؤال وجيه. نحن نتحدث معظم الوقت في صفحة الدراسات والرأي وفي وسائل الإعلام عامة وفي أحاديثنا اليومية، عن هموم السياسة العالمية، من فنزويلا إلى دارفور إلى نهوض العملاق الصيني، ولا نمل من الحديث عن هموم الوطن والمواطن العربي من الخليج إلى المحيط، بشيء من التحسر والدموع.
بالطبع هناك هموم يعيشها العالم برمته منذ بدايات الأطماع الاستعمارية، ويعاني منها المواطن العربي خاصة، وبشكل أخص منذ خروجه من بلاد الأندلس في القارة الأوروبية، باعتباره تاريخا حاسما في بداية رواية الهموم العربية، إلى درجة أن هناك من يعتبره تاريخ الانحدار العربي إلى اليوم.
وأسبابه بالطبع معروفة لكل من قرأ أو سمع بتاريخنا هناك، والذي يلخصه ما قالته أم السلطان عبد الله الصغير له، وهي تراه مهزوما باكيا قبل 500 عام: «أبك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال» ترى كيف تتم المحافظة على الملك؟ وكيف لا تتم المحافظة عليه؟
أيضا سؤالان وجيهان، لكن لكل طريقته في المحافظة على ملكه وأملاكه، ولكل أساليبه وطرقه في إضاعته. وما ينطبق على الملك ينطبق على كل أمر من أمور حياة البشر. المحافظة على الشيء تعني حسب ما هو متفق عليه: صيانته الدائمة. ومفهوم الصيانة في القاموس المعاصر تعدت المعنى التقليدي في الإبقاء على الشيء في حالته السابقة، فالمعنى الجديد الذي يحمله هذا التعبير هو ترقيته إلى مستوى أفضل.
لذا أصبحت كلمة تحديث أو ترفيع أو تحسين، والتي تقابلها في اللغة الإنجليزية (صِهْفليَه)، هي الكلمة السائدة في العالم الغربي. فما أن تقوم بشراء جهاز (حاسب آلي أو هاتف خلوي) حتى تصلك بعد أيام قلائل رسالة نصية تطلب منك ترفيع أو ترقية الجهاز الذي لديك. لماذا؟ لأن النظام الذي يعمل عليه، إما أنه صادف بعض المصاعب الفنية أو أنه لم يعد يتماشى مع التطور.
فجهاز الحاسوب الذي اشتريته قبل 4 سنوات مثلا، يقل بأربع مرات عن سرعة الحاسوب المعروض الآن في الأسواق. وحتى الاتصال بشبكة الانترنت تضاعفت سرعته، وتسارع كل شيء حتى أصبحنا نلهث من الجري خلف سرعة الحياة والتطور.
نحن في أوطاننا العربية، والإسلامية بشكل عام، لا نعاني فقط من عدم تطورنا بسرعات مودم الانترنت، وإنما ظللنا واقفين عند خط الخروج من الأندلس. عبرنا مرة مضيق جبل طارق إلى الشمال، ثم عدنا تقهقرا نعبره نحو الجنوب.
العالم ـ باستثناء عالمنا ـ تطور بشكل مذهل، في كل شيء، وفي كافة الاتجاهات. وأصبح تطوره يركز على بعض المسائل البسيطة والأساسية القائمة على الإخلاص في العمل، وتقديم أفضل الخدمات، واكتشاف ما هو أفضل. بالطبع هناك رغبة المصانع الغربية في الحصول على إيرادات أكبر من خلال المنافسة على تقديم الأفضل والأجود، وهذا ما يدعم تطورها اللا متناهي، ومن جانب آخر فإن هذه الأرباح أو الإيرادات لا تودع في حسابات خاصة مغلقة، بل تستثمر بدورها في تطوير وتحسين وترقية منتجاتها.
ثم تأتي بعد ذلك نوعية الخدمات. فلا يكفي المستهلك شراء المادة الاستهلاكية، وإنما خدمات ما بعد البيع. وهذا لعب دورا هاما في تطور الصناعات الغربية، فالثقة بنوعية المنتج تتناسب طرديا مع الخدمات الملحقة به. والخدمات لا تقف عند حد إصلاح الخلل أو استبداله، وإنما في كيفية تعامل مسؤول الخدمات مع العملاء.
أخبرني أحد الإخوة أنه قام بشراء جهاز مودم جديد بعد أن تعطل جهازه الأول، وحيث إنه لا يملك الخبرة في معالجة مثل هذه الأجهزة، فقد اتصل برقم مجاني مسجل على كتيب الاستخدام. وبعد ثوان اكتشف أن هذا الرقم المجاني موصل مباشرة بأحد مكاتب الخدمات التابعة لمصنعي المودم الجديد. ورد عليه صوت أنثوي ناعم، طالبا اسم المتصل ونوعية المساعدة التي يمكن تقديمها له، وحيث أن صاحبنا لا يتقن الإنجليزية ولا يفهم معظم مفردات ورموز ما كانت تطلبه منه، إلا أنه فضل المغامرة على الانسحاب.
وبعد أخذ ورد فهمت العاملة على الطرف الآخر من القارة، أن أخانا ضعيف في استيعاب اللغة الإنجليزية التي درسها منذ نعومة أظافره على يد الخادمات في البيت، ثم في الروضة والمدرسة والجامعة وفي كل مكان يذهب إليه، وأنه بعد إعادة السؤال عشرات المرات بالكاد يفهم المقصود منه، فيرد بلغة ركيكة جدا وببيانات ناقصة أحيانا.
وتوقع أخونا أن الموظفة الأمريكية (من مقر الشركة في أمريكا)، بعد فترة من الوقت والإحباط المستمر، ستقفل الخط في وجه هذا العربي المسلم الإرهابي الذي لا يفهم لغة الحضارة!
لكنه فوجئ بأنها أخذت بيده كما تأخذ الأم بيد طفلها، حتى حلت مشكلته التي ظن أنها لن تحل، خاصة وأنه كان يوم جمعة وكافة المؤسسات مغلقة في بلده، وأعطته في النهاية رقما خاصا به ليذكره إن اضطر للاتصال بهم مرة أخرى، بحيث يستطيع العامل الآخر من خلال إدخال هذا الرقم في جهاز الحاسب الآلي لديه، أن يعرف تاريخ المشكلة دون الحاجة إلى شرحها من جديد. غير أن أكثر ما شد انتباه أخينا هذا ليس حل المشكلة، ولكن طريقة التعامل الراقية التي تعاملت بها تلك الموظفة معه، وطول بالها وصبرها عليه، وانتظارها له ليقوم بفتح جهاز الحاسب الآلي البطيء جدا عنده، والتأكد من حل المشكلة، وشكرته على الاتصال بدلا من أن يشكرها هو!
وأكثر ما أضحكني سؤاله لي: ترى كيف يمكنني أن أحصل على زوجة ثانية صبورة مثلها؟!.. وزميل آخر، حكى لي أنه أراد شراء عدسة آلة تصوير من شركة معروفة في الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال الانترنت.
ولم يأخذ منه ذلك سوى دقائق قليلة وضع فيها كافة البيانات المطلوبة. وبعد ثوان حصل على رسالة نصية تفيده بأن المعاملة أنجزت وأن عدسته ستصله في التاريخ والوقت والمكان المحدد، وأن بإمكانه متابعة سير الشحنة (من خلال تتبعها على جوجل إيرث). وبعد ثلاثة أيام، وفي والوقت والمكان المحددين، طرق باب بيته وكان عامل شركة الشحن عند الباب يسلمه الطرد باليد. هكذا كان بإمكاننا أن «نصون» الأندلس من الضياع!
جامعة الإمارات
