عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع وول ستريت، يبدو أن الرئيس أوباما قد تخلى عن دوره كقائد أعلى لاقتصادنا، مقابل لعب دور آخر مختلف تماماً هو دور الخبير الأعلى. وفجأة انكب أوباما وكبار مستشاريه على التوجه إلى الأطراف المعنية بكلمات: الحضّ، التأييد، التوصية، الاقتراح، ومحاولة الإقناع بالكلمة الطيبة.

وخلال خطابه الإذاعي الأسبوعي، الذي ركز على الحاجة لإقناع بنوك أمريكا باستئناف تقديم القروض إلى الأعمال التجارية الصغيرة مجدداً (ألم يكن هذا هو أصلاً السبب الذي من أجله تدخلت الحكومة لإنقاذ البنوك؟)، أعلن الرئيس أنه قد «حان الوقت لكي تضطلع تلك البنوك بمسؤولياتها للمساعدة في ضمان تحقيق انتعاش أوسع نطاقاً، ونظام اقتصادي أكثر أمناً، وازدهار أكثر مشاركة».

لكن عبارة «حان الوقت لكي» مستعارة من قاموس المصطلحات التي نستخدمها نحن الخبراء والمحللين الأكاديميين، حين نقول مثلاُ «حان الوقت لكي تقوم البنوك بفعل كذا أو كذا.. حان الوقت لكي يفعل الكونغرس كذا أو كذا.. حان الوقت لكي يقوم الرئيس بكذا أو بكذا».ثم طرح الرئيس خطة العمل التي أقرها قائلاً: «سوف ننتهز كل فرصة لنحضّ البنوك على الالتزام بتلك المسؤوليات».

تحضّهم على ذلك؟ لماذا لا تجعلهم يقومون بذلك؟

الكتاب الصحفيون وكتاب المدوّنات الإلكترونية يحضّون، لكن الرئيس ينفّذ. هذا هو عمله، ومن هنا جاءت تسمية السلطة التنفيذية.

لكن عندما يتعلق الأمر ببنوك أميركا، يتحدث البيت الأبيض في أحيان كثيرة وكأنه مجرد متفرج مسكين لا حول له ولا قوة، ونسمع تصريحات كتلك التي أدلى بها ديفيد أكسيلرود، مستشار أوباما، على محطة إيه بي سي: «ليس لدينا سوى سطوة محدودة، غير خيار الضغط الأخلاقي مع بعض هذه البنوك».

هل حقاً الضغط الأخلاقي هو كل ما باستطاعتنا؟

ولننظر إلى هذه المحاولة من جانب روبرت جيبس، الناطق الإعلامي باسم البيت الأبيض، ليظهر أن الإدارة تدرك أن الكلام وحده ليس كافياً، دون أن يدرك هو نفسه أن مجرد الإدراك بأن الكلام ليس كافياً، غير كاف أيضاً. فقد قال في جلسته اليومية مع الصحافة «هذا ليس مجرد أمل. إنه أكثر من ذلك». وتابع: «أعتقد أن الرئيس.. لديه رؤى قوية جداً في هذا الموضوع، موضوع الإقراض. وأعتقد أننا نأمل أن يتجلى ذلك في أفعال البنوك».

لذلك أعتقد أنا أن الأمر أحياناً لا يتجاوز مجرد الأمل. وبالنسبة لتعليق جيبس بأن الرئيس لديه «رؤى قوية»، مرة أخرى أقول هذا تعبير أستخدمه أنا، أما الرئيس فلديه السلطة والصلاحيات لتحويل الرؤى القوية إلى سياسات تغيير جذرية. وحتى عندما ينتقل الرئيس من الأمل إلى الرؤى إلى الفعل، فإن الأفعال التي يختار أن يقوم بها ليست قوية بما يكفي.

فخلال خطابه الإذاعي، اشتكى الرئيس من حقيقة أن «الكثير من أصحاب الأعمال الصغيرة لا يزالون يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على الائتمانات المالية التي يحتاجونها. وهؤلاء أنفسهم هم دافعو الضرائب الذين وقفوا إلى جانب بنوك أمريكا في محنتها، والآن حان الوقت لبنوكنا لتقف بجانب الأعمال الصغيرة التي تستحق الدعم، وتقدم لها القروض التي تحتاجها لتفتح أبوابها، وتوسع عملياتها وتوجد فرص عمل جديدة».

إذن، ما الذي ينوي الرئيس أوباما أن يفعله حيال هذا الأمر؟ سيقوم (خمّنوا ماذا).. بالدعوة لعقد مؤتمر. ولقد أعلن الرئيس عن ذلك الأسبوع الماضي، حين قال: «طلبت من تيم جايثنر وكارين ميلز تنظيم مؤتمر في الأسابيع المقبلة، يجتمع فيه القائمون على لجان الأنظمة البنكية وزعماء الكونغرس والمقرضون والأعمال الصغيرة، لتحديد ماهية الخطوات الإضافية التي يمكننا اتخاذها لضمان تدفق القروض إلى الأعمال الصغيرة، التي تريد التوسع وإيجاد المزيد من فرص العمل».

تنظّم مؤتمراً؟ هل تسمعون ذلك يا أصحاب الأعمال الصغيرة؟ مشاكلكم على وشك أن تنتهي، لأن الرجل الأكثر نفوذاً على هذا الكوكب سوف «ينظم مؤتمراً»، وهذا يعني اختيار قائمة الحضور، اختيار الموقع، توزيع البيانات الصحفية، كتابة التقارير.. وبعد ذلك، تأتي الجزئية المفضلة، وهي تجاهل التقارير، وتبادل التهاني بنجاح تنظيم المؤتمر!

بالطبع، كلنا يعرف أنه في قاموس واشنطن، جملة «سوف أنظم مؤتمراً» تعني تقريباً «سوف أشكّل لجنة مستقلة عليا للبحث في الأمر»، من حيث نتيجتها المتوقعة في التسويف والمماطلة. لأنه لو كانت هذه القضية حقاً على سلم أولويات الإدارة، لكانت فعلت شيئاً ما حيالها.. الآن وليس لاحقاً. فالسلطة التنفيذية في جعبتها الكثير من الأسلحة لإجبار البنوك على تغيير سلوكها، خاصة وأن هذه البنوك لا تزال تعتمد على مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب والضمانات الحكومية!

وفي هذه الأثناء، تبقى المشاكل الهيكلية الأساسية التي أدت إلى الانهيار المالي، بدون علاج. فلقد تم في البداية استغلال الإحساس العام بوجود أزمة طارئة وملحة، لإقناع دافعي الضرائب بالحاجة إلى التدخل لإنقاذ البنوك. لكن الآن بعد أن تخطت البنوك الأزمة ـ التي أصبحت تقتصر الآن فقط على بقية البلد ـ تضاءل الإحساس بشدة إلحاح هذه القضية، لأنه لا شيء أكثر إيحاءً بانعدام الحاجة الملحة من استخدام عبارة مثل «الدعوة إلى عقد مؤتمر».

إليزابيث وارين، رئيسة هيئة الرقابة في الكونغرس، تلخص الأمر بلهجة تنذر بالخطر قائلة: «كل الأمور التي كنا نتحدث عنها باعتبارها مشاكل خطيرة جداً، لا تزال في نظري مشاكل خطيرة جداً حتى الآن». من جانبه، يرى نيل كاشكري، المشرف السابق على برنامج «تارب» خلال فترة إدارة بوش، أن الافتقار إلى التغيير في الوضع الراهن واضح جداً، ويقول:

«أعتقد أن الطريقة التي تتحدث بها الإدارة الديمقراطية عن بعض القضايا المحددة، ربما تختلف قليلاً عن طريقة الإدارة الجمهورية، وهذا أمر طبيعي، لكن جوهر أفعالهم، في اعتقادي، منسجم جداً مع أفعال الجمهوريين. وهذا أمر مهم جداً».

مهم بالنسبة لوول ستريت، ومأساوي لبقية شعبنا في أمريكا، سواء في ما يتعلق بما تم إنجازه إلى الآن، أو بالشقاء الإضافي الذي سيجلبه ذلك علينا في المستقبل القريب. لكن هذا الشقاء ليس محتوماً ويمكن تجنبه، فقط إذا توقف الرئيس أوباما عن التصرف كخبير أو محلل أكاديمي، يحض على التغيير من موقعه على هامش الأحداث، وبدأ يتصرف كرئيس، يملي على الجميع مجريات اللعبة من موقعه في منتصف الملعب.

رئيسة تحرير ومؤسسة صحيفة «هومنجتون بوست» الأميركية

opinion@albayan.ae