عندما كان الحَكَمُ المستنصر يحكم الأندلس، أناط مهمة الإشراف على تعليم ولده هشام وتدريبه، بوزيره محمد بن أبي عامر الذي عرف لاحقاً بالحاجب المنصور. اشتكى أحد مؤدّبي الأمير هشام يوماً إلى أبي عامر جموح الصبي وعدم جلوسه للدرس، فسأله أبو عامر عما يعلّمونه من الشعر، فقال له: «من الجاهليين عنترة، وعروة بن الورد، والنابغة»، فقال المنصور: «وتعجبون أنّه يملّ!» فرد عليه المؤدّب بأن هذا من شعر الحماسة، ويجب على الأمير تعلّمه، فقال له المنصور: «لكل شيء وقت وميعاد.

الأصل في التأديب أن تبدأ بما يتوافق ومزاج المتعلم وما تنبسط له نفسه، فإذا بلغ ذلك، صار التحصيل له عادة، فيخرج من سهله إلى صعبه، ومن معروفه إلى مجهوله، ومن متعته إلى حكمته...».

وقبل أيام عدت من دورة تدريبية في فرنسا استمرت أربعة أيام، كانت أشبه برحلة في مدينة ألعاب معرفية. بدأ المدرس أول يوم بالتعريف بنفسه، ثم طلب من كل اثنين يجلسان بجوار بعضهما أن يقدم كل منهما الآخر للحضور بطريقة طريفة. ثم انطلقت الدروس التي لم تتجاوز 30% من وقت التدريس.

فما أن تنقضي سويعات الصباح الأولى، حتى نخرج في مجموعات إلى غرف مجاورة لغرفة المحاضرات الرئيسية، لنطبّق ما تعلّمناه ونجرّبه على أمثلة حيّة من شركات الطلبة الموجودين في كل مجموعة، ثم نعود إلى قاعة الدرس ونتناقش حول نتائج تلك التجارب. خلال أيام الدراسة تلك، شاهدنا الكثير من الأفلام التي كنا نشاهدها في السينمات، ولكن هذه المرة تعلّمنا كيف نستخلص معاني تعليمية من كل فيلم.

لقد كان المدرسون أشبه بالممثلين الفكاهيين الذين يقفون على خشبات المسرح ويلقون النكات ليضحكوا بها الناس، حيث كنا نضحك طوال اليوم، حتى إذا ما حان وقت الانصراف في المساء، خرجنا متعبين من المرح والضحك، لا من الكتابة والمتابعة.

عدت بذاكرتي إلى السنوات التي قضيتها على مقاعد الدراسة العربية، وتذكّرت مدرسينا الذين كانوا يصرّون على أن هيبة العلم من هيبة المعلّم، وعلى ضرورة أن يجلس الطلبة وكأنهم خُشب مسنّدة، لا يحركون ساكناً ولا يسألون إلا إذا سمح لهم بذلك. تذكرت أننا أيام الجامعة كنا نكتب خلف المدرس حتى تكلّ أيدينا، وما يكاد المدرس ينتهي من الكتابة حتى تدق الساعة معلنة نهاية المحاضرة. لم نكن نعي ما معنى «العمل بروح الفريق»، وكان كل همّنا أن يمرّ اليوم بأسرع طريقة ممكنة.

ذكّرتني تلك الأيام الأربعة في كلية إنسياد في فرنسا، بموقف الحاجب المنصور من التعليم قبل ألف عام! فلماذا يتعلّم الطالب شيئاً لا يحبّه ولن يستخدمه طوال حياته؟ وماذا استفدنا من دراسة الكيمياء والفيزياء وكثير من العلوم والرياضيات في حياتنا العملية اليوم؟! هناك مثل يقول: «الشباب الذين يهملون التعلّم يخسرون الماضي، ويصبحون في المستقبل موتى»، ولكن ماذا عن الذين قضوا اثنتي عشرة سنة أو يزيد في التعلّم وأصبحوا أمواتاً اليوم؟

أستغرب من الذين لا يزالون يجادلون في شرعية إصلاح التعليم! وأتعجب منهم أكثر عندما يقارنون الجيل العربي «المتعلم» اليوم، بالجيل المتعلم قبل عشرين سنة ويقولون: انظروا، لقد تطوّر التعليم! نعم، يجب أن يكون جيل اليوم أفضل تعليماً من جيل الأمس، ولكن لنقارن هذا الجيل بأترابه من الأمم الأخرى، فنحن لا نعيش على كوكب لوحدنا، وعلينا في زمن يتنافس فيه الياباني مع الأمريكي والنرويجي، أن نقيس مخرجات تعليمنا بتلك المخرجات التي تقيسها المنظمات العالمية مثل اليونسكو وغيرها.

إن التعليم في عالمنا العربي يواجه مشكلتين رئيسيتين، هما: المحتوى، والأسلوب. فبالنسبة للمحتوى فإننا ما زلنا ندرّس نظريات قديمة في العلوم والفيزياء، أثبت العلم الحديث خطأها أو قصرها، وما زلنا نعلّم أبناءنا علوماً لن يستخدموها في المستقبل أبداً، ونصر على قول: «ثقافة عامة». إن الثقافة العامة لا تأتي بالتعليم، ولكن بالاطلاع والقراءة اللذين يجب أن يُزرع حبّهما في قلب الطالب وهو صغير، لا أن يفرضا عليه حتى ينفر منهما.

أليس الهدف المباشر من التعليم هو الانخراط في سوق العمل للمساهمة في بناء المجتمع وتطويره؟ فلماذا إذن لا نشرك ممثلين عن سوق العمل في مناهج التعليم، تماماً كما يحصل في أمريكا؟ لا يعني هذا أن نستورد المناهج الأمريكية (المحتوى)، ولكن لا يضر إن استفدنا من «أساليب» التعليم الحديثة.

ففي أمريكا لا توجد مناهج موحدة من قبل وزارة التربية والتعليم، بل يوجد في كل مقاطعة مجلس للتعليم يمثل أولياء الأمور والمدارس وسوق العمل، حيث يقوم هؤلاء بتقييم المناهج المقدمة من شركات متخصصة في التعليم، ويختارون المنهاج الأسلم لمدارسهم. فلكل ولاية أو مقاطعة رؤية معيّنة، ففي ديترويت مثلاً تركز المناهج على الصناعة بحكم كونها منطقة عالمية لتصنيع السيارات، بينما في كاليفورنيا تركز المناهج على تعليم التكنولوجيا وتقنية المعلومات، بحكم تواجد كبريات شركات التكنولوجيا هناك.

فتحتُ الجريدة قبل أيام لأقرأ خبرين متقابلين يقول الأول: «15 مليون درهم حصيلة مبيعات مزاد أرقام السيارات»، ويقول الثاني: «ناسا تفجّر أول صاروخ على سطح القمر». فتساءلت عن سبب انخراطنا في الجهل وسبب تعلّقهم بالعلم، فوجدت الجواب في قول الحاجب المنصور: «صار التحصيل عادة»، وأزيد عليه بأنه ينتقل بعدها إلى ثقافة، ومنها إلى شغف وهَمّ حضاري يملأ العقول والقلوب.

نحن في حاجة، ليس إلى إصلاح المناهج فقط، ولكن لإصلاح أسلوب تلك المناهج ومن يدرّسها للطلبة، فلقد انتهى عصر الحفظ والتلقين، وانتهت «الطباشير» من مفهوم العالم المتقدم، وأكاد أجزم أنها تصدّر للوطن العربي فقط. لا بد أن يرافق إصلاح المناهج انقلاب على نظام التعليم وأعوانه، بدءاً بمدير المدرسة وانتهاءً بالمعلمين، فكما يقول الفيلسوف الألماني غوته: «لا شيء أسوأ من معلّم لا يعرف إلا ما ينبغي أن يعرف تلاميذه».

إن الانقلاب السلمي الذي ندعو إليه هو انقلاب على ثقافة التعليم العربية برمّتها، فإن كنّا لا نستطيع أن نتقدم إلى مصاف المؤسسات التعليمية الحديثة اليوم، فلا أقل من أن نعود ألف سنة إلى الوراء ونعلّم أبناءنا كما كان يفعل الأندلسيون قديماً.. علّنا نحيا بالتعليم مرّة أخرى.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com