عندما أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما عدول الولايات المتحدة عن قرار مد شبكتها الدفاعية المضادة للصواريخ إلى شرق أوروبا، تنفس الكثيرون في روسيا الصعداء، معتبرين أن هذا يعني درء الخطر المحتمل عن بلادهم. كما تنفس الكثيرون في أوروبا الصعداء أيضا، حيث إن قضية وجود الدرع الصاروخي على أراضي قارتهم، كانت تزعجهم وتذكرهم بصراع سنوات الحرب الباردة، هذا بالإضافة إلى أن العلاقات بين روسيا وأوروبا نمت في السنوات الأخيرة وتطورت بشكل ملحوظ، وخاصة في مجال الطاقة الذي أصبحت فيه روسيا تشكل المصدر الرئيسي لأوروبا، ولم تعد الأوضاع الاقتصادية تتحمل أية مشاكل سياسية بين أوروبا وروسيا.
ولكن، رغم كل هذا التفاؤل بقرار الرئيس أوباما، إلا أن صقور واشنطن الذين لا يريدون استقرارا للأوضاع، لا في أوروبا ولا في غيرها، تعمدوا إفساد الفرحة، ولم تمض أيام قليلة على تصريحات أوباما بالتراجع عن الدرع الصاروخي في أوروبا، حتى فاجأ وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس الجميع عندما أعلن «إننا لا نلغي الدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا، بل نعززه».
وأوضح الوزير الأميركي قائلا: إن الولايات المتحدة ستضع صواريخ اعتراضية متطورة في شمال وجنوب أوروبا، لأجل حماية أوروبا من صواريخ إيران وصواريخ الدول الأخرى.
ومن الواضح أن الأمر ليس مجرد تصريحات فارغة بلا مضمون، حيث إن هناك معلومات مؤكدة تفيد أن الأميركيين أعدوا مشروع درع صاروخي جديد، يفوق كفاءةً الدرع الصاروخي الذي أعلنت عنه الإدارة الأميركية السابقة، والذي تخلت عنه الإدارة الأميركية الجديدة.
ويتضمن المشروع الجديد وضع صواريخ جديدة مضادة للصواريخ، من طراز اصطلح على تسميته «ستاندارت 3»، في حوالي 70 سفينة حربية أميركية. وأشارت المصادر العسكرية الأميركية إلى أن كل سفينة ستحمل 90 إلى 122 صاروخا مضادا من هذا النوع. ويستطيع صاروخ «ستاندارت 3» ضرب الصواريخ البالستية متوسطة المدى، وسوف يستطيع بعد تطويره بحلول عام 2020، ضرب الصواريخ المطلوب تدميرها فور انطلاقها، أي فوق أراضي الدولة المعادية. وقد دمر صاروخ من هذا النوع أطلقه طراد «ليك آري»، قمرا صناعيا أميركيا معطوبا كان يسير بسرعة 3,27 ألف كيلومتر في الساعة، أو قرابة 6,7 كيلومتر في الثانية في 29 فبراير 2008.
ووفق ما أعلنه روبرت غيتس، فإنه من المفترض أن تتواجد 3 سفن حربية أميركية مسلحة بصواريخ «ستاندارت 3»، في كل من البحر الأبيض المتوسط وبحر الشمال، بصفة مستمرة.
وهناك معلومات تقول إن الولايات المتحدة قد ترسل سفنا مسلحة بهذه الصواريخ إلى البحار الأخرى، التي تطل عليها روسيا وإيران أو كوريا الشمالية. ولن تجد دول العالم الأخرى ذريعة للاحتجاج على ذلك، لأن شبكة الدفاع الجوي الأميركية المرتقبة لا تمس بأية اتفاقية دولية، فهي متحركة في البحار المفتوحة والمياه الدولية، وحتى لو دخلت موانئ دول فستكون مجرد زائرة، وإذا اعترضت روسيا أو غيرها على هذه الصواريخ، فمن الممكن تهدئة الوضع إذا احتاج، بتحريك السفن حاملة الصواريخ بعيدا لفترة معينة.
من الواضح أن القضية لدى واشنطن وصقورها صناع الحروب، ليست مجرد تهديدات لأمن أوروبا من جهات مثل إيران وغيرها، وليست حتى تهديدات من ترسانة روسيا من الأسلحة والصواريخ الاستراتيجية، بل الأمر هو عادة قديمة يصعب التخلص منها، وهي إثارة التوتر والقلاقل والاضطرابات لتحقيق أهداف ومصالح خاصة، وأيضا لفرض هيمنة ونفوذ لا ترى واشنطن وسيلة لفرضهما سوى بالقوة العسكرية.
خلاصة الأمر أن مسلسل الدرع الصاروخي بين موسكو وواشنطن، الذي اعتقد الكثيرون أنه انتهى نهاية سعيدة بقرار أوباما، ما زالت فيه حلقات أخرى سوف تظهر على المسرح قريبا، وربما لهذا كانت موسكو على حق عندما لم تعد أوباما بأي شيء، مقابل قراره بالتخلي عن الدرع في أوروبا.
خبيرة الطاقة الروسية