للدولة، أية دولة، استراتيجياتها الخاصة للحفاظ على أمنها الوطني (القومي)، وفق ما يفرضه موقعها الجغرافي وما تحتويه أراضيها من ثروات وما تضفيه طبيعة مكونات شعبها من خصائص، وما تفرضه العلاقات التاريخية مع هذا الجار أو ذاك من استحقاقات. فقد تختط الدولة سياسة لأمنها الوطني اعتماداً على قدراتها الذاتية، أو تعتمد على تحالفات إقليمية، أو تلجأ إلى الدخول في أحلاف أو منظمات دولية ذات طبيعة دفاعية.
الأمن الوطني للدولة يبدأ أول ما يبدأ بتأمين الحد الأدنى من العلاقات الحسنة مع دول الجوار، إن لم تستطع تأمين أفضل من ذلك، من جهة، وإعداد ما يكفي من القوة للردع في حالة تعرضها لأي اعتداء قد يأتي من إحدى هذه الدول أو من دولة أخرى بعيدة، من جهة أخرى. إلا أن الأمن الوطني بالمعنى الأوسع، ليس مجرد ضمان سلامة حدود الدولة فحسب، وإنما سلامة مؤسساتها من الاختراق، وضمان الحفاظ على ثرواتها ومواردها وأسرارها، وسلامة ممتلكاتها وممتلكات أبنائها، وضمان مستقبلهم، وضمان عدم تبعية سياساتها لإرادة الغير.
حين تأسست الدولة العراقية مطلع عشرينيات القرن المنصرم، وجد مؤسسوها الأوائل، وربما لم يكونوا مختارين، أن التحالف مع بريطانيا خير ضمان لنجاح عملية بنائها وأمنها. فالأمن الوطني للدولة الفتية آنذاك ارتبط بإرادة حليف قوي، وفق معاهدات طويلة الأمد منحت ذلك الحليف حقوقاً كثيرة متميزة في ثروات العراق. ثم توسع مفهوم الأمن الوطني لدى ساسة العراق لاحقاً، وربما لم يكونوا مختارين في ذلك أيضاً، ليصبح جزءاً من أمن منظومة أوسع ارتبط بها العراق في منتصف خمسينيات القرن المنصرم، في المعاهدة المركزية (السنتو) التي عرفت بمسمى «حلف بغداد»، والذي ضم كلا من تركيا وإيران وباكستان إضافة إلى القوة العظمى بريطانيا. وأصبح العراق يرى أن أمنه الوطني قد أصبح جزءاً من الأمن الوطني للدولة العظمى التي تشترك كلاعب أساسي في حلبة صراع كوني، ليس للعراق ناقة فيه ولا جمل.
في تلك التحالفات، وعلى مدى أربعة عقود، تمحور الأمن الوطني العراقي حول أمن النظام الملكي القائم، وليس غير ذلك. والحقيقة أن هذه الإشكالية في التداخل بين أمن الدولة وأمن النظام الحاكم، قد عكست دوماً خللاً خطيراً في الممارسات السياسية، ألحقت أبلغ الأضرار بأمن الدولة العراقية وأضرت بمصالح الأفراد وحرياتهم على مدى جميع العهود السابقة، حين اختزل الحاكم أو حزبه أمن الدولة بأمن شخصه وأمن حزبه وحكومته.
ورغم قوة حلفاء العراق في حلف السنتو، إلا أن ذلك الحلف لم يستطع أن ينقذ النظام الملكي من الانهيار بأيدي أبنائه، وليس بفعل قوة خارجية. وهكذا دخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه في الرابع عشر من يوليو عام 1958، حيث تخلص من تحالفاته السابقة ليواجه قضية أمنه منفرداً. واستمر على هذا المنوال، رغم تعاقب الحكومات على مدى يزيد على أربعة عقود حتى سقوط النظام السابق.
بناء الدولة يعني وضع استراتيجية أمنها، وذلك يتطلب حشد قوة الاقتصاد والقوة العسكرية والنفوذ السياسي والأنشطة الدبلوماسية، للمساعدة في ذلك. فبناء الدولة يعني وضع استراتيجية وخلق أدوات واتباع أساليب لبناء كيان وضمان ديمومته. أما الخطوات التي تتخذ عادة، في هذا السياق، فتتلخص في المحاور التالية:
1. تحصين البلد، مجتمعاً وأفراداً، ضد أي إغواء خارجي قد يداعب عواطف أو أحلام أقلية دينية أو عرقية أو مذهبية، لحرفها عن انتمائها وتسخيرها للعبث بأمن البلد وإضعافه بغية ابتزازه والنيل من سيادته. وذلك بالعمل على تلبية الحقوق القومية والثقافية المشروعة لجميع مكوناته، وفسح المجال أمام الجميع، بشكل متساوٍ، لممارسة حرية المعتقد والرأي وحرية العمل السياسي والنقابي، في الأطر التي تحفظ وحدة البلد ولا تتعارض مع أمنه ولا تسيء لأي مكون من مكوناته، وتوسيع مساحة الدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني، وضمان ذلك بدستور ذي طبيعة مدنية.
2. تعزيز ثقافة الانتماء للبلد، من خلال البرامج التعليمية والتربوية والمواد التي يتناولها الإعلام.
3. العمل على حل الخلافات والمشاكل، أو تقليصها إلى الحد الأدنى، مع دول الجوار، بالحوار السلمي وإقامة العلاقات معها على أسس من التفهم للمصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة.
4. استخدام القنوات الدبلوماسية لكسب الحلفاء ومحاصرة المخاطر التي تهدد أمن البلد، والعمل على عزل العناصر أو المنظمات أو الدول التي تصدرها.
5. إعداد قوات مسلحة عقيدتها الولاء للبلد، لا لشريحة أو فئة منه، قادرة على ردع أي عدوان محتمل وعلى التصدي له إذا وقع.
6. إعداد فرق دفاع مدني وخطة عمل فعالة في حالة الطوارئ، وتشريع قوانين لحماية البلد ضد أعمال التخريب والإرهاب.
7. ضمان الحفاظ على البنية التحتية الأساسية في حياة المجتمع، والتي تتضمن الثروات الطبيعية والخدمات الأساسية التي تهم الحياة اليومية للناس.
8. بناء أجهزة استخبارات عالية المهنية على المستويين المحلي والخارجي، قادرة على كشف الأنشطة التجسسية المعادية وتحييدها أو القضاء عليها، ووضع التشريعات وانتهاج أساليب للحفاظ على الوثائق السرية الخاصة بالبلد.
وقد يتطلب الأمن الوطني، تشريعاً أو ممارسة، تبتعد بهذا القدر أو ذاك عن الشفافية، وهو أمر لا مناص منه في بعض الأحيان، لكن يفترض أن يكون في الحدود الدنيا في الأنظمة الديمقراطية، كي لا تتصادم مع حريات الأفراد.
الساسة العراقيون منشغلون ومتشاغلون بالحديث عن بناء العراق الجديد منذ عام 2003، فهل حققت الحكومات المتعاقبة منذ ذلك الحين متطلبات بناء الأمن الوطني التي هي في الحقيقة متطلبات بناء الدولة؟ أم أنهم يرون أن ما يضمن أمن الدولة العراقية هو العودة إلى المربع الأول الذي سكنه ساسة العراق الأوائل في عشرينيات القرن المنصرم، التحالف مع قوة عظمى والاستظلال بظلها، مع أن مثل هذا التحالف لم يوفر للعراق ولا لأي من أبنائه أمناً على مدى السنوات الماضية؟!
كاتب عراقي
