يفغيني بريماكوف، بطريرك السياسة الروسية، الشهير ب«صديق العرب»، خبير سياسي روسي معروف عالميا، كان مديرا لجهاز الاستخبارات الخارجية، وتولى وزارة الخارجية، وكان رئيسا للحكومة الروسية في تسعينات القرن الأخير، ويرأس غرفة تجارة وصناعة روسيا حاليا، أطفأ شمعته الثمانين في 29 أكتوبر الماضي.
ولا يزال بريماكوف يتمتع بصحة جيدة وذهن متقد وقدرة فائقة على العمل، وما زال يقوم إلى جانب مهام عمله في غرفة التجارة والصناعة بأعمال أخرى، فهو من أهم المستشارين السياسيين والاستراتيجيين لدى الكريملين ولدى الحكومة أيضا، وبحكم سابق عمله في جهاز الاستخبارات الروسية والذي سبق لرئيس الوزراء بوتين العمل فيه، فإن البعض يعتبره الأب الروحي وأقرب المستشارين لبوتين، خاصة في شؤون الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي، التي يتمتع فيها بريماكوف بخبرة واسعة لأكثر من أربعة عقود مضت، فقد بدأ عمله في مصر كمراسل صحافي لجريدة البرافدا السوفييتية في الستينات من القرن الأخير.
وما زال بريماكوف يرى أن انفراد واشنطن بإدارة أو تسوية النزاع في الشرق الأوسط، يعني استمرارية هذا النزاع دائما وتطوره للأسوأ، ويقول: لا بد من أن توافق واشنطن على تقاسم مسؤولية تسوية هذا النزاع سلمياً مع روسيا، ولا بد من تدخل القوى الخارجية من أجل إيجاد حل ينهي الصراع العربي الإسرائيلي، ولكن لا يجوز أن تستمر الولايات المتحدة في انفرادها بالتعامل مع هذه القضية.
ويرى أن الأمر يتوقف على ما إذا كانت الولايات المتحدة وروسيا ومصر التي لها تأثير كبير على الفلسطينيين، قادرة على إيجاد صيغة توافقية تفرضها على طرفي النزاع.
وقال بريماكوف: لقد بدأ أوباما بممارسة الضغط على إسرائيل، لكنه توقف في حين توجب عليه أن يقول للإسرائيليين إن الولايات المتحدة قد تمتنع عن استخدام حق الفيتو ضد قرارات لا ترضي إسرائيل، إذا لم يوقفوا نشاطهم الاستيطاني، ولم يقدم أوباما على ذلك، فكان الأوان قد فات، فبينما أمكن له عندما وصل إلى الحكم أن ينال ترحيب حتى قسم كبير من يهود الولايات المتحدة بتصريحات من هذا القبيل، يواجه اليوم المزيد من الصعوبات.
يفغيني بريماكوف شخصية غير عادية، ويعمل لها الغرب وواشنطن ألف حساب، ولا ينسون له نبوءته عام 1998 وروسيا في أسوأ حالاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، عندما تنبأ بأن هناك ترويكا آسيوية عملاقة ستظهر وتأتي للساحة الدولية في المستقبل القريب، وتقضي على أحادية القطب وعلى الهيمنة الغربية التي سادت العالم في القرون الماضية، وقال إن هذه الترويكا هي عبارة عن تحالف استراتيجي بين الدول الثلاث الكبرى: روسيا والصين والهند.
ولم يصدقه أحد حينها، بل سخر البعض منه، لأن الخلافات بين الهند والصين، وحتى بين الصين وروسيا، أكبر بكثير من أن تتقارب البلدان الثلاثة وتتجمع في تحالف موحد. لكن لم تمض سنوات قليلة حتى تغيرت الأوضاع، واستطاعت روسيا تهدئة العلاقات بين الصين والهند، واقتربت الدول الثلاث الكبيرة من بعضها بشكل أصبح بالفعل يثير قلق وتوتر الغرب وواشنطن.
في الولايات المتحدة وأوروبا يطلقون على بريماكوف أحيانا اسم «كيسنجر الروسي»، تشبيها ببطريرك السياسة الأميركية المخضرم هنري كيسنجر، والاثنان بالفعل متشابهان في المكانة والخبرة إلى حد كبير، والاثنان يعملان معا الآن، حيث يقودان معا ما يسمى «مجلس الحكماء» المسؤول عن تحسين العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة.
وقد قلد الرئيس الروسي دميتري مدفيديف في مكتبه بالكرملين يفغيني بريماكوف وسام «الاستحقاق» من الدرجة الأولى، كما أرسل له رئيس الوزراء بوتين رسالة تهنئة بعيد ميلاده قال له فيها «إنك بالفعل بطريرك السياسة الروسية وأحد أبرز الشخصيات الاجتماعية السياسية في روسيا، ومن أعلاها مكانة وأكثرها احتراما».
رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي