قام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بزيارة إلى إيران الأسبوع الماضي، أجرى خلالها مباحثات مع كل من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ونائبه الأول محمد رضا رحيمي ورئيس مجلس الشورى علي لاريجاني. وقد قال رئيس الوزراء التركي إن تركيا وإيران تمثلان نموذجا للاستقرار في الشرق الأوسط، وأنه على البلدين أن يضعا مبادرات مشتركة لدعم الاستقرار في المنطقة. وأكد أن زيارته إلى إيران لا تعني تغيرا في سياسة بلاده الخارجية.

وأكد رئيس الوزراء التركي قبل وصوله إلى طهران تأييده لسعي إيران لامتلاك التكنولوجيا النووية بقوله «هذا مشروع في مجال الطاقة له أغراض سلمية وإنسانية». وقد أشاد أحمدي نجاد برئيس الوزراء التركي لموقفه المؤيد للبرنامج النووي الإيراني، وموقفه من إسرائيل.

وبلا شك فإن الزيارة التي قام بها أردوغان لها دلالات رمزية، لعل أولها طمأنة إيران على أن التحركات التركية المكثفة في منطقة الشرق الأوسط، لا تستهدف عزلها أو حصارها أو تأسيس محور سياسي إقليمي في مواجهتها. وكل ذلك في مواجهة التحليلات التي تقول إن تركيا تمارس دورا مدعوما من الدول الغربية، بهدف حصار الدور الإيراني الساعي هو الآخر للتمدد، وتصريحات أردوغان تسعى إلى المزيد من الطمأنة لإيران، لأنه أكد أن استقرار المنطقة متوقف على تعاون الطرفين والتنسيق بينهما.

وبالطبع لا بد من الربط بين الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء التركي إلى طهران، والزيارة التي أعقبتها وقام بها وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو إلى منطقة الحكم الذاتي الكردية في شمال العراق. فحسب معظم التحليلات فإن هناك تنسيقا عالي المستوى بين تركيا وإيران حول المسألة الكردية، وقد ذكر مركز أبحاث أوروبي أن البلدين يعملان بكل السبل للحيلولة دون استقلال كردستان العراق، وهي نقطة مشتركة تجمعهما.

ومن الجوانب الرئيسة التي أدت إلى تعزيز العلاقات بين البلدين، وجود قضية كردية في المنطقة، حيث أن مشكلات البلدين مع الأكراد متشابهة عموما، ما جعلهما يهتمان بالعلاقة بينهما. ولا بد أن الجانبين التركي والإيراني قد تشاورا خلال زيارة أردوغان، حول ما يمكن أن يثيره أوغلو في أربيل، وتصورات الجانبين لمستقبل العراق، وعلى الأخص الشمال الذي يسعى إلى الاستقلال عن الدولة المركزية في بغداد.

وهذا الأمر يأتي في أعقاب حسم الخلاف الداخلي في تركيا حول التعامل مع أكراد العراق، حيث كانت المؤسسة العسكرية ترفض التعامل معهم على اعتبار أنهم، من وجهة نظرها، يقدمون دعما لوجستيا لأكراد تركيا الذين يجب أن تكون المواجهة الأمنية هي الوسيلة المعتمدة للتعامل معهم، في الوقت الذي رأى بعض أركان حزب العدالة والتنمية المسيطر على الحكومة منذ نهاية عام 2002، أن التعاطي السياسي مع المسألة الكردية أصبح مطلوبا.

والمتابع لملف العلاقة بين تركيا والأكراد يلاحظ أن الأولى مقبلة على تحولات تخص ملفها الكردي، وهي تستعد من الآن لإمكانية أن يستقل أكراد العراق، وهو ما يمثل دعما لأكراد تركيا. والاتصالات التي تقوم بها حاليا تستهدف الحصول على ضمانات من أكراد العراق بألا تستخدم أراضيهم لتنفيذ عمليات ضد تركيا، ويمكن أن يتطور الأمر لتصبح هناك اتفاقية أمنية بين الجانبين، ووضع إيران في الصورة هو أمر مهم بالنسبة لتركيا، ويمكن أن يكون وزير الخارجية التركي قد حمل وجهة النظر الإيرانية معه وهو يزور شمال العراق.

إن زيارة رئيس الوزراء التركي لإيران هي حلقة ضمن سلسلة تحركات تستهدف توسيع مجالات التحرك التركي إقليميا، بما يقنع دول الاتحاد الأوروبي أن انضمام تركيا كعضو فيه سوف يعني أنها ضمت دورا إقليميا واسعا يمكن أن يفيد أوروبا على أكثر من صعيد. وفي الوقت نفسه فإن هذه التحركات تعد من وجهة النظر التركية عبارة عن تجهيز بديل للتحرك الإقليمي، في حال عدم موافقة الاتحاد الأوروبي على انضمامها، حيث تجهز نفسها في هذه الحالة لكي تكون قوة عظمى إقليمية.

وهي في هذا المجال لا تسعى إلى الصدام مع قوى أخرى تسعى للامتداد مثل إيران، بل هي تسعى للتنسيق مع القوى الإقليمية الأخرى، مثل مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا.. بل وأيضا إسرائيل، وإن كانت تركيا لا تريد أن تعطى للأخيرة أهمية كبرى، حتى لا يؤثر ذلك على استجابة كل من إيران والدول العربية للدور التركي المنتظر.

وعلى الرغم من أن التحركات التركية مستمرة منذ وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، أي مع نهاية عام 2002، إلا أننا لا بد أن نعترف بأن الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء التركي إلى طهران الأسبوع الماضي، تمثل نقلة نوعية في مسار تحركات تركيا من أجل توسيع مجالات تحركها في منطقة الشرق الأوسط.

والتوجه إلى إيران يعني أن تركيا استطاعت أن تمد جسورها مع باقي الدول الرئيسية ذات الصلة بالعلاقات الإقليمية، لأن العلاقات بين تركيا وإيران ذات جذور من عدم التفاهم والتنافس الإقليمي، فضلا بالطبع عن الصراع المذهبي. وتصريح رئيس الوزراء التركي حول أن تركيا لا تسعى للوساطة بين إيران والولايات المتحدة، يعني أنه يضع علاقات الدولتين في إطارها الإقليمي، وأنه لا يعطيها بعدا دوليا. وهو ما ينفي التحليلات حول هذا الموضوع، والتي تقوم على أن التفاهم الإيراني التركي ليس منقطع الصلة عن علاقات إيران بالولايات المتحدة، وأن الأخيرة تقف في الخلفية تراقب ما يحدث من منظور ما يحقق مصالحها في المنطقة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com