قبل أربعة أعوام، أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية قانوناً يبيح تكوين مؤسسة لذاكرة حرب الجزائر. وقد بقي هذا القانون حبيس الأدراج والتداول النظري، إلى أن صرح وزير الدولة الفرنسي للدفاع وقدامي المحاربين، أوبير فالكو، في 25 سبتمبر الماضي بأن «فرنسا سوف تحيي ذاكرة حرب الجزائر عبر مؤسسة خاصة بذلك..».
علاوة علي الحماس الذي يبديه فالكو للتعجيل بقيام هذه المؤسسة، سوف تساهم جمعية الذاكرة الفرنسية والجمعية الاتحادية الوطنية وجمعية الوجوه المشوهة، بتبني المشروع وتمويله والترويج له. ويبدو أن بعض جيراننا الفرنسيين شمال المتوسط، يعتبرون أنهم بصدد مشروع وطني تاريخي يستحق التأييد والمؤازرة، إذ استقبلت هذه الجمعيات أكثر من سبعة ملايين يورو لهذا الغرض في فترة لا تتعدى الشهر الواحد.
لكن، ماذا يريد هؤلاء من وراء استحضار سيرة بلادهم إبان فورتها الاستعمارية، ولا سيما تجاه الجزائر؟ الفكرة العامة عندهم أن الحقبة الاستعمارية انطوت على إيجابيات بالنسبة للشعوب التي خضعت للاستعمار، وهم يسعون على وجه خاص إلى إبراز فضائل هذه الحقبة على الجزائر والجزائريين، وتبيض صفحة الفرنسيين الذين عادوا للوطن الأم فرنسا غداة الثورة الجزائرية. إنهم بكلمة جامعة يستهدفون تمجيد العهد الاستعماري.
رواية العدوان الفرنسي على الجزائر، ثم استعمارها واستيطانها ومحاولة تغيير هويتها وإلحاقها كحديقة خلفية أو كظهير لفرنسا، موثقة وبالتفصيل الممل منذ حادثة باي الجزائر مع القنصل الفرنسي عام 1832، إلى حين نزوح آخر جندي ومستوطن فرنسي من العاصمة الجزائرية.. ومع ذلك، يدعي الوزير فالكو وأنصاره أن من أهداف المؤسسة العتيدة ».. إنشاء ذاكرة مشتركة تستند إلي أعمال تاريخية جدية..».
هذا يعني ببساطة نقض، أو حتى تكذيب، الرواية الجزائرية والعربية، المعززة بأدبيات وأعمال عدد غفير من كبار الأدباء وثقاة المؤرخين الفرنسيين والغربيين.
تقديرنا أن المسألة لا تتصل بتجويد الكتابة التاريخية ولا بصدقية الرواية المعروفة عن السيرة الفرنسية السوداء في الجزائر، ولا بصحوة من غيبوبة فكرية أو حقوقية أو ثقافية أصيب بها طويلاً قطاع سياسي أو أهلي من الفرنسيين.. المسألة أن فلولاً من أصحاب نظرية رسالة الرجل الأبيض في تمدين الآخرين، ما زالت تعيش في بعض الأروقة المتنفذة سياسيا والناشطة مدنياً، وأن هذه الفلول أحست بالفزع وربما بالهوس نتيجة للنجاح الذي حققته جهود جزائريين في نبش الماضي الاستعماري لبلادهم، والمطالبة بمساءلة السلطات الفرنسية عن هذا الماضي، تاريخياً وقانونياً وأخلاقيا.
لا يضمن أشياع الاستعمار وأحفاد المستعمرين الأقحاح، أن يأتي زمن تعترف فيه دولتهم جبرا وعلى أعلي المستويات بجرمها التاريخي ضد الجزائر. ولذا فإنهم علي سبيل الحيطة واستباق الأحداث، تجرأوا على التاريخ، وهم يحتشدون راهناً لصناعة رواية مغشوشة أخرى عما جرى بين يدي الحالة الجزائرية، يحدوهم الرجاء بالتمويه على الحقائق وإذابتها في إطار جدل وتناظر لا أول له ولا آخر.
على أن سخافة هذا التوجه وارتباك القائمين عليه تظهر من أول القصيدة. فالمؤسسة المزمعة تحمل اسم «ذاكرة حرب الجزائر».. ترى أي «حرب» كانت بين فرنسا والجزائر؟! إن تشخيص ما جرى على هذا النحو، لا يناسب الحقيقة ولا منطق الأحداث. الأمر وما فيه، بإيجاز، أن فرنسا بغت على الجزائر فغزتها واستعمرتها، واستجلبت أناسا فرنسيين وأوروبيين ليستوطنوا فيها ويجعلوا أعزة أهلها أذلة.. وأن الجزائريين استعصموا بأرضهم وثقافتهم وخاضوا جولات من المقاومة، توجت بالاستقلال. نحن إذن بصدد نموذج للاستعمار والتحرير.
والحال كذلك، فإنه بدلاً من لملمة الجروح والاعتذار عن الخطايا التاريخية، علينا أن ننتظر مزيداً من المكابرة الفرنسية المدعومة بمؤسسة لمحو الذاكرة الاستعمارية من أجندة التاريخ. ولا ندري كيف ستفسر هذه المؤسسة استخدام نحو 42 ألف جزائري لاختبار أكثر من ثلاثين تفجيرا نوويا في صحراء الجزائر! مع العلم أن تفصيلات هذه الجريمة البشعة محفوظة في أرشيف إدارة الطاقة الذرية الملحقة بوزارة الدفاع في باريس، تحت عنوان «سري جداً ولا يجوز الاطلاع عليه قبل ستين عاما ..».
سوف يناور رعاة هذه المؤسسة كثيراً ويأفكون. لكن جريمة الاستعمار أكبر من أن تمحوها هكذا شوشرات.
كاتب وأكاديمي فلسطيني