بعض الناس سواء كنا نعرفهم عن قرب أو أولئك الذين لا يتاح لنا التواصل معهم إلا عبر المسافات، نقرأ لهم، نستمع لهم، نشاهدهم يؤثرون فينا، ويؤثر فينا أكثر حينما نسمع أن شموعهم قد انطفأت، نستعيد صور الذكرى، نتأمل ما أضافوه لنا، نتأمل أنفسنا وأعماقنا فنشعر أن بقايا من بقاياهم فينا.
كثيرون أولئك الذين لا نعرفهم عن قرب لكنهم يسكنون خلايانا ويحملونا عبء جميلهم علينا.. قبل يومين رحل عن الدنيا باحث وأديب، لم نره إلا عبر شاشة التلفزيون، قبل أن تطير إلى الفضاء وتصبح شاشة كونية..الدكتور مصطفى محمود، ومن منا لا يتذكر برنامجه الشهير «العلم والإيمان» الذي عبر به إلى 400 حلقة، طافت محطات التلفزيون العربي دون فضاء ودون أطباق ديجتل.. يوم كانت المادة الفيلمية تشحن شحنا ولمسافات طويلة.
رحل هذا الأديب والباحث والإنسان العربي الذي علم جيلا بكامله عبر حلقاته تلك التي كان يطل فيها علينا بصوته الهادئ وبابتسامته الصافية، وبديباجات مختصرة. واحد من النادرين اليوم، لا يذكرني فيه اليوم سوى الكاتب محمد حسنين هيكل وهو يطل علينا ليشرح ويقرأ لنا ما يطفو على سطح في بحر السياسة المتلاطم.
أما مصطفى فقد كان يبحر بنا ونحن تلاميذ في المدارس إلى أن كبرنا ودخلنا الثانوية العامة لا زمنا طوال الوقت، يشرح لنا عن تكون البراكين والمعادن، وأسرار الطبيعة، عن الفضاء وعن أسرار النمل والنحل، لم يترك لا شاردة ولا واردة إلا ودعمها بالمعلومة العلمية.
كنا في المدرسة نصطدم بالدرس العلمي، وفي عجالة المدرس لجفاف أسلوبه لا نهضم الدرس جيدا، لكن حينما نعود إلى بيوتنا، تكون إشارة الحلقة قد بدأت، ذلك الناي الذي يبدو حزينا، لكنه ليس كذلك، إنه صوت التأمل، حالة الاسترخاء..نجلس أمام التلفزيون، أيام كان التلفزيون هادئا رزينا «لا يهتز».. يطل مصطفى بابتسامته الجادة ليسير بنا في رحلة علمية جديدة، كثيرا ما كان درس المدرسة يتوازى مع موضوع حلقته، وهنا يتحقق لنا الفوز الكبير.. بالصوت والصورة والمعلومة العلمية.
مادة «العلم والإيمان» تلفزيونيا تعد اليوم من النوع الثقيل والدسم، وربما كثير من المحطات صارت تحارب هذه النوعية من البرامج انتصارا لفلسفة الإعلام العصري.. «اللايت» أو الخفيف، و«المثير والقصير والخاطف والمليء بالإعلانات الدعائية»!! كان «العلم والإيمان» ثقيلا، لكن الدكتور مصطفى محمود كان له أسلوب السحر في التأثير.. مثله مثل العلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي يجعلنا نتسمر في أماكننا، وهو يبحر في تفسير القرآن الكريم.
هؤلاء نشعر بفقدهم بشدة، لأنهم استطاعوا أن يقدموا لنا، ومن على البعد خدمات معرفية جليلة، اجتهدوا وكافحوا لكي يصلوا إلينا بالأسلوب الذي أرادوه وتحقق لهم ذلك، أيضا تحقق لهم ما كانوا يصبون إليه، وهو التأثير فينا ومدَّنا بالمعرفة.. رحمك الله يا دكتور مصطفى محمود. لقد أديت أمانتك العلمية فاسترح بسلام الآن.
