بعد شهر بالتمام والكمال سيحتفل اتحادنا بعيد وطني آخر. وكما أن الجرد السنوي وغلق حسابات السنة المالية وفق لوائح المؤسسات يتم قبل نهاية السنة بوقت كاف، فقد رأينا أن نضع بعض النقاط التي تهم كياننا، قبل شهر من الاحتفال بعيد دولتنا الثامن والثلاثين..

أولى هذه النقاط، هي عوامل استمرار نجاح هذه الدولة في مشروعها الوحدوي على مدى هذه السنين الطويلة.

وهو إنجاز لنعترف بأنه نادر وغير مألوف منذ استقلال الدول العربية والشرق أوسطية، من مختلف أنواع الاستعمار الذي هيمن على منطقة الشرق الأوسط، ولا نجد له مثيلا في الاستمرارية والصمود في أي مكان آخر. فكافة الاتحادات العربية لم تعمر طويلا. فنجاح أي اتحاد لا يقوم إلا على إخلاص وتفاني وتضحيات أصحابه، وعدم وضع المصالح الخاصة على قائمة الأهداف التي قام لأجلها. وهذا ما قدر لاتحاد الإمارات السبع أن يدوم ويستمر بكل ثقة واطمئنان.

ثاني هذه النقاط، أن واحدة من دعائم هذا الاتحاد بين سبع إمارات، هي تقاربها في المساحة الجغرافية والديمغرافية والثقافية والتراثية والعادات والتقاليد وحتى اللهجات. فلا يوجد أي سبب مقنع قد يفشل هذا المشروع، أو يهز كيانه. لذا فإن كافة العوامل اللازمة لبنائه واستمراره متوفرة له منذ القدم.

ثالث هذه النقاط، أن من مصلحة هذه الدولة ومن يعيش فيها، استمرار وحدتها وتماسكها وثباتها. وإذا ما اهتزت ـ لا سمح الله ـ ثقتنا في هذا الاتحاد لأي سبب كان وبأي شكل قد يكون، فلن نجدنا إلا ونحن نعيش حالة من الفوضى، وسوف ندفع نحن صغيرا وكبيرا الثمن. فحالة البلبلة والحروب والاختلافات والنزاعات والتأخر الاقتصادي والعلمي والعمراني التي يعيشها العالم العربي من الشرق إلى الغرب، تعود إلى عدم قدرة الدول العربية المتفرقة على تشكيل اتحاد قوي فيما بينها، يحميها من الأطماع والمخططات الخارجية، ويقوي من مكانتها في العالم.

وإحدى أشكال التضحية التي دعمت استمرار اتحاد الإمارات، أنها لم تتحارب وتتصارع فيما بينها على كرسي الرئاسة، أو من يكون أو لا يكون رئيسا، ولأن شعب الإمارات وحكامه أصبح آخر ما يشغل بالهم هو التفكير في الصراع على كرسي الرئاسة، فالكل يشارك في الحكم والرئاسة من موقعه، وهمهم هو نجاح مشاريع تطوير الدولة وتقدمها في شتى النواحي، وفي المقابل لم تتساءل إمارة أبوظبي عن سبب تحملها أكثر من ثلثي ميزانية الدولة سنويا منذ قيام الاتحاد إلى اليوم. السبب؟

هو أنها مؤمنة بأن الإمارات السبع تشكل شعبا واحدا وبيتا واحدا ومصيرا واحدا وهوية واحدة. وهذا الأمر في قمة المثالية التي لن نجدها ولم نجدها حتى في أكثر الفيدراليات والكونفيدراليات العالمية ديمقراطية في التاريخ!

رابع هذه النقاط، هي تطلعاتنا وطموحاتنا وآمالنا التي نتمنى أن تجد لها أذنا صاغية. وربما إثارتنا المتكررة لها سببها خشيتنا على هذه الدولة وعلى مستقبلها ومستقبل أجيالنا القادمة، ونحن نستشفها من تجارب الدول الأخرى. وأعظم هذه الأمنيات لدولتنا في عيدها الثامن والثلاثين، أن تعيد النظر في مسألة خلل التركيبة السكانية.

والحقيقة أنه ليس خللا بقدر ما هو معضلة، والمعضلة لا بد لها من حل. ويجب أن لا نكتفي بنياتنا الصافية في تعاملنا مع الآخر، فالوطن لا يكون إلا بمواطنيه الحقيقيين والمخلصين له، وحينما يغلب عدد الغرباء في أي بيت على عدد ساكنيه الأصليين، فالنهاية تكون مأساوية لأصحاب البيت، فقد يرمى بهم في الخارج لقلة الحيلة. وهذا ما نعاني منه منذ عقود، وهو تزايد عدد الغرباء والأجانب، وخاصة من الجنسيات الآسيوية، حتى وصلت نسبة الوافدين تصل إلى 80% وأكثر من جنسيات مختلفة، فانقلبت الصورة وأصبحنا نحن الغرباء في وطن نحن أهله وأصحابه.

وهذه الظاهرة فريدة من نوعها في العالم، وأصبحنا بلدا يضرب به المثل حين تثار مسألة خلل التركيبة السكانية، ناهيك عن أن الجنسيات الوافدة تظل تتوالد على أرضنا وبالتالي تزداد بنسبة مضاعفة. وحينما نتحدث عن البطالة المنتشرة بين أبناء الوطن ـ ونحن لا نملك رقما رسميا حقيقيا في هذا الأمر، ولكن يتردد ما بين 4% و12% ـ فإن سبب هذه البطالة هو المنافسة الخارجية أو الوافدة التي تتملك معظم المشاريع الاستثمارية ولا تفتح الأبواب إلا لمن هم من جنسيتها.

وبالتالي فإن انتشار البطالة بين المواطنين ينتج عنه منطقيا تقلص عدد المواليد الجدد بينهم، إذا ما وضعنا في الاعتبار تكاليف الزواج الباهظة وما يتبعه من مصاريف لا يقدر عليها العاطل عن العمل. فكيف نريد أن نكون إماراتيين ونحن لا نمثل شيئا أمام الكم الهائل من الأيدي العاملة الأجنبية؟

إن زيادة نسبة العمالة الوافدة المرتفعة لا ينتج عنها فقط اختفاء الرمز المحلي للدولة وشعارها، بل تنتج عنها أمور أكثر خطورة، منها:

1- طغيان الثقافة الأجنبية على الثقافة المحلية، خاصة وأن العمالة اتخذت أشكالا متطورة مع الوقت، فبعد أن كان الوافد يفد ليعمل سائق أجرة أو «كولي» أي عامل بناء أو حمال أو خادم، وصل اليوم ليحتل مكانة رفيعة في المجتمع الإماراتي، كمدير مؤسسة وخبير واستشاري وغيره.. ولا أحد يعلم إن كان يحمل في الأصل مؤهلا غير مزور!

2- انتشار الجريمة بشتى أنواعها، من السرقة في وضح النهار إلى القتل العمد لأتفه الأسباب، إلى نشر المخدرات التي يذهب ضحيتها المواطن قبل الأجنبي.

3- تلويث بيئتنا برا وبحرا وجوا من خلال تفريغ مخلفاتهم بكل أشكالها المختلفة وبكميات مخيفة، بدءا من مخلفات المجاري إلى استخدامات المواد الكيميائية المسرطنة على أرضنا. والأخطر من ذلك كله أن بعض هذه الملوثات ـ سواء على اليابسة أو في البحر أو في الجو من خلال عوادم السيارات ـ لا علاج له ويظل أبديا.

4- أن الدولة لا تفرض قوانين صارمة في ما يتعلق بالضرائب والمساهمة في إنشاء البنى التحتية، فكل شيء هنا بالمجان. ثم إن دولتنا الكريمة لا تفرض شروطا على تحويل الأموال للخارج، وبالتالي لا نكسب من هذه العمالة سوى المخلفات، والازدحام المروري اليومي والتلوث والجريمة، بينما تقوم العمالة الأجنبية بتحويل كل إيراداتها إلى الخارج. أما ما يحصل عليه الكفيل المواطن من كفالة الأجنبي فهو رقم لا يطعم خبزا ولا يروي ظمأ، وهو أشبه ما يكون بطعم صغير لاصطياد السمكة الكبيرة.

وهناك مسائل أخرى كثيرة يمكن الحديث عنها، في التعليم والصحة وديوان المحاسبة، بينما نقترب من عيد الاتحاد ال,38. والحل في أيدي أصحاب القرار، كما هو مستقبل هذه الدولة وأمنها وأمانها، لكن ذلك لا يعفي من المسؤولية أبناءهم المواطنين من مثقفين ومفكرين وأساتذة جامعيين، ممن يحرصون على ازدهار هذه الدولة وعلى مستقبلها، أكثر من خوفهم على ممتلكاتهم وحياتهم وأرواحهم..

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com