إذا كانت الأرقام والمعدلات التي كشف عنها تقرير المعرفة العربية، صادمة ومؤلمة وتكشف مدى تخلفنا عن الركب الحضاري، وتبين موقعنا الحقيقي على جدول التقدم والتطور، فإن الأمرّ من ذلك هو حالة الاقتناع العام، وحالتنا كشعوب عربية بأن نكون الأكثر استلابا لثقافة الاستهلاك، ولكل ما ترميه ثقافات الآخرين من «نفايات»..
فالشارع العربي اليوم لا يقتات ثقافته التي يفترض أنها تراكمت عبر تاريخ من المنجزات الحضارية، ولا ينتقي من ثقافات الآخرين كنوزها الثمينة، بل تحولنا إلى سوق استهلاكية، نستقبل نفايات الآخرين، فضعنا وتضيع معنا أجيالنا..
الوطن العربي ينوء بالأمية، وبالجهل، ويشكل آلة طرد لأصحاب العقول النيرة والعلمية والخبرات، والوطن العربي برميل بارود منفجر على الدوام، والوطن العربي صحراء قاحلة، ينهش الفقر فيها الناس، فيما طبيعته وأراضيه ومياهه قادرة على إطعام العالم كله، والوطن العربي يكتنز القهر ويحمل العصا للحريات، والمجتمع العربي مفكك تنهشه الخلافات، ويعاني اقتصاده من حالة اتباع واستلاب دائمين.
فليس من الغريب أن يأتي تقرير المعرفة العربية صادما ومبشرا بمستقبل قاتم الصورة، فهذا الخلل لم يأت من فراغ، ولم يأت من مبدأ قلة الحيلة وشح الإمكانات، لأن خيرات هذا الوطن وكنوزه شاهدة للعيان، النفط فيه، وخيرات الزرع والضرع كافية لإطعام كل جياع العالم، وقوته وقدراته البشرية هائلة، وفيه من العقول ومن شعلة الشباب، ومن المستنيرين بالمعرفة والعلم.. كل الخيرات القابلة لصلاحه موجودة فيه.. لكن ما ينقصه هو الحكمة، ما لا يتحصل عليه هو القرار وصاحب القرار.
سرحت بعيداً وأنا أعيش طعن خناجر الحقيقة في أرقام التقرير.. تذكرت كل الخطب العصماء لمسؤولي الوطن العربي خلف منابرهم، تلك الخطب التي تتفجر من حناجر ملتهبة من أجل خاطر عيون الوطن العربي والمواطن العربي في الأعياد والمناسبات الرسمية، أعياد العلم والوطن وأعياد الانتصارات..
تذكرت تلك الأصوات الهادرة والرنانة مرتفعة تتغنى بالخطط التنموية، وبمستقبل العربي وعيال هذا العربي، مجده التليد الماضي ومجده القادم.. تذكرت ديباجات السادة المسؤولين العرب عن «التنمية»، هذه البقرة التي جلبت للوطن وربطت في طرف المدينة ولا نعرف من يحلب ضرعها ولمن؟
صادم تقرير دبي حول المعرفة في الوطن العربي.. صادم لأنه يؤشر على ما تبذله الحكومات العربية في سبيل رفعة شعوبها ونهضتها..!
