في ظل تردد أميركي، يفسره البعض على أنه مؤشر عجز وفشل، ويفسره آخرون على أنه الهدوء الذي يسبق خطوة دراماتيكية في اتجاه إحياء العملية السلمية والمفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، وحدها حكومة نتنياهو تستثمر الوقت دون أن تضيع دقيقة واحدة.
الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني يسعيان حثيثاً لتكريس المزيد من الوقائع على أرض الصراع، استباقاً لحلول مقبلة يبدو أن زمانها قد اقترب. على الجانب الإسرائيلي تواصل حكومة نتنياهو الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري، ولكنها تركز جهودها وتتبادل الأدوار إلى حد التكامل مع الجماعات الدينية المتطرفة، من أجل إكمال تهويد القدس والسيطرة عليها.
منذ بعض الوقت تدور رحى الصراع على المسجد الأقصى وداخل باحاته التي اقتحمها المتطرفون اليهود، ودخلوا في اشتباك، تتطلع حكومة نتنياهو إلى أن يفضي إلى اقتسام حرم المسجد، كما حصل في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل قبل بضع سنوات. الشرطة الإسرائيلية حاضرة كل الوقت، وكل الوقت تقوم بحماية الجماعات اليهودية المتطرفة، واعتقال وقمع الشبان الفلسطينيين المدافعين عن أقصاهم.
وفي الواقع اتخذت إسرائيل إجراءات كثيرة لعزل المدينة المقدسة عن الضفة الغربية، حتى بات الدفاع عنها منوطا بسكانها الذين تتناقص أعدادهم، وبالمتطوعين من الفلسطينيين تحت الاحتلال منذ عام 1948.
تريد إسرائيل، وتتواطأ معها الولايات المتحدة، حسم معركة القدس قبل أن تبدأ المفاوضات بشأنها، وذلك بعد أن اعتقدت أنها أنهت معركة حق عودة اللاجئين، كواحدة من قضايا، بل وأعقد قضايا، الحل الدائم. في أوقات سابقة بادر الفلسطينيون لتفجير انتفاضة، فمن الانتفاضة الكبرى عام 1987، إلى هبة النفق عام 1996، إلى انتفاضة الأقصى عام 2000. أما في معركة القدس الراهنة، فإن إسرائيل تعمل من أجل اندلاع انتفاضة فلسطينية، فإن وقعت فستكرر إسرائيل ما فعلته بانتفاضة الأقصى، أي تحويل الصراع من صراع جماهيري سلمي إلى صراع عنيف.
إسرائيل تريد انتفاضة وتضغط بشدة من أجل اندلاعها، حتى تبرر لنفسها الدخول في حالة صراع نفسي، يصرف الأنظار عن الجهود الرامية لإحياء عملية السلام، ويمكنها من إضعاف الفلسطينيين، ثم لاتخاذ إجراءات تدفعهم شرق جدار الفصل العنصري.
هكذا خطط شارون، وهكذا تتابع حكومة نتنياهو العمل بما بدأه شارون حين أعاد انتشار قواته ومستوطناته خارج قطاع غزة، لفصلها عن الضفة والقدس، ثم فصل القدس عن الضفة، إلى أن يكتمل المخطط بفصل الضفة أيضاً عن إسرائيل عبر الجدار، وليفعل الفلسطينيون بتجمعاتهم السكنية ما يشاءون، تماماً كما في قطاع غزة.
أراضٍ كثيرة ستكون خارج الجدار، ومعظم الأحزمة والكتل الاستيطانية كذلك، والقدس الكبرى، فضلاً عن تقطيع الضفة وإحالتها إلى ما يشبه البانتستونات أو المحميات الطبيعية، وحين ذلك تكون أيضاً قد انتهت قضية الدولة الفلسطينية، التي ستتحول إلى دويلات أو كيانات صغيرة. هذه هي المعركة الكبرى التي تخوضها الحكومة الإسرائيلية بكل قوة ومثابرة، وفي ظل ظروف فلسطينية وعربية ودولية مرتبكة إلى حد كبير.
بعض الفصائل تراقب تزايد المخاطر الناجمة عن السياسة والإجراءات الإسرائيلية، وتكتفي بإصدار التصريحات والبيانات والنداءات، وأكثر نشاطاتها فعالية القيام بمسيرة هنا أو هناك، لتبرئة الذمم، ولتنتهي آثارها عند حدود المساحة التي تحظى بها على شاشات بعض الفضائيات.
الفلسطينيون المنقسمون، والمتصارعون، يصرفون معظم أوقاتهم، والجزء الأكبر من طاقاتهم في الصراع الداخلي، الذي ينضج بروح العداوة، والتحريض وتبادل الاتهامات الصعبة، بما في ذلك التشكيك في الوطنية، وعلى الأرض لا يقرأ الإنسان سوى لغة واحدة، هي لغة تعميق الانقسام والاستحواذ وبناء المؤسسات المتوازية والبديلة، واتخاذ المزيد من الإجراءات التي تضعف آمال المواطن بإمكانية تحقيق مصالحه حقيقية تؤدي إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.
في مثل هذه الظروف، لا يمكن الحديث عن انتفاضة ضد المحتل الغاصب الذي يستبيح الأرض، والهوية والقضية، فإن كان هذا الاحتمال وارداً، فإن الممكن هو انتفاضة «ضد بعضهم البعض».
إن الفلسطينيين المنقسمين لا يفكرون بانتفاضة ضد المحتل، ليس لأنهم على وعي بما ترتب له إسرائيل وما تسعى لتحقيقه، وإنما لأنهم عاجزون عن تفجير انتفاضة وطنية تجند كل طاقاتهم لمجابهة التحديات والمخاطر الإسرائيلية.
المصالحة الفلسطينية لم تنجح وفق الموعد الذي حدده المصريون في الخامس والعشرين من أكتوبر الجاري، حيث كان يفترض أن يتم التوقيع على الورقة المصرية، وبالرغم من مرور نحو تسعة أشهر على بدء الحوار في فبراير هذا العام. البعض يحيل السبب إلى عدم نضج الظروف العربية والإقليمية، ويقصد بذلك، استمرار الخلافات والمحاور، التي تقف على طرفي نقيض بموازاة الصراع الفتحاوي الحمساوي.
غير أن ذلك يعني واقعياً، استمرار حالة الضعف الفلسطيني والعربي بغض النظر عما إذا كان الانقسام الفلسطيني يغذي الانقسام العربي أو العكس. وعلى خلفية فشل جهود المصالحة حتى الآن، وما جاء بعدها من إصدار الرئيس محمود عباس مرسوم يلبي الاستحقاق الدستوري بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في الرابع والعشرين من يناير المقبل، وهو ما تعارضه حماس بشدة.
على خلفية ذلك اندلعت مرة أخرى معركة التصريحات الصعبة، وانطلقت معها التكهنات بما سيؤول إليه الوضع الفلسطيني، وبغض النظر عن طبيعة السيناريوهات والاحتمالات المقبلة بالنسبة للوضع الفلسطيني فإن أفضلها، هو استثمار الأشهر الثلاثة حتى موعد الانتخابات باتجاه توقيع اتفاقية المصالحة.
إن المرسوم الذي صدر لا يغلق الطريق على المصالحة وإمكانية تأجيل الانتخابات بناءً لتوافق وطني، لأن أسوأ هذه الاحتمالات هو أن يتحول الانقسام الشامل إلى انفصال تام، وهذا بكل أسف احتمال ممكن وقوعه في حال جرت الانتخابات، وقابلتها أو اتبعتها حماس بإجراء انتخابات في قطاع غزة.
عند ذاك لن يجد الفلسطينيون ما يفعلونه سوى أن يقرءوا الفاتحة على قضيتهم، ومشروعهم الوطني وأهدافهم، وعندها لن يرحم التاريخ قيادات هذا الزمن، والعبرة لمن يريد أن يعتبر.
كاتب فلسطيني