ربما هناك من يبتسم سخرية أو إشفاقاً على ما يمكن أن تتضمنه هذه المقالة من تحليلات في مسألة الأمن الوطني (القومي) في العراق، بعد أن استبيحت جميع ساحاته وهدمت جدران حدوده وانتهكت سيادته، وسحق كبرياؤه ورَخُصت دماء أبنائه وتحولوا على مدى عصرين: العصر الصدامي السابق والعصر الأمريكي الحالي، إلى شتات فقدوا هوية الانتماء إلى بلدهم وتغربوا عنه مرغمين، سعياً وراء هوية غريبة تقيهم مرارة الانتماء لبلدهم العريق.

إذ لم يتعرض العراق، كياناً وأفراداً، عبر تاريخه منذ التأسيس عام 1921، لمثل ما يتعرض له منذ الاحتلال الأميركي من تدمير واستهانة وإذلال، على جبهتين: خارجية بفعل بعض جيرانه، وداخلية بفعل بعض أبنائه.

الحديث عن الأمن الوطني قد يكون حديثا عن مفهوم له تفسيرات مختلفة لدى الكتل المشاركة في العملية السياسية في العراق والتي تتنافس، أو بالأحرى تتنازع، للهيمنة على السلطة، ظاهرياً عبر صناديق الاقتراع، وحقيقياً عبر شتى الوسائل الأخرى. فأمن الوطن قد تراجع كثيراً عن معناه الجوهري، فكراً وممارسة، ليختزل في أمن الطائفة أو الملة أو أمن العائلة أو أمن الفرد، وربما أمن إحدى دول الجوار.

ليس للقوى السياسية أو الأحزاب التي تتنافس على نيل السلطة في الدول الديمقراطية المتقدمة والمستقرة سياسياً واجتماعياً، رؤى مختلفة لمسألة الأمن الوطني، فذلك أمر محسوم ومتفق عليه كما هو متفق على ترديد كلمات نشيدهم الوطني أو الوقوف احتراماً لعلمهم، أو الدفاع عن تاريخهم وعن رموزهم بموضوعية واحترام. وتجاوز ذلك هو تجاوز لخطوط حمراء، يفقد من يقترفها موقعه السياسي والأخلاقي في المجتمع.

إلا أننا لا نجد ما يشابه ذلك أو يقترب من الشبه به في بلداننا، ولعلنا لا نبالغ إذا ذكرنا بأن معظم دول الشرق الأوسط لم تول هذه المسألة ما تستحق من الاهتمام، لسبب بسيط يضم كل الأسباب الأخرى، وهو أننا أصبنا بقصر النظر فلم نعد نرى إلا الحاضر القريب جداً منا، وربما الذي نعيشه فقط، ونسينا تاريخ منطقتنا وأهملنا التجارب الثرة التي تتعلق بالأمن الوطني، التي حفل بها الماضي الذي شهد صعود الإمبراطوريات وانهيارها، من جهة، وأصبنا بعمى الألوان، فلم نعد نرى الطيف الواسع الألوان المتعدد الأهواء والمشارب الذي تتكون منه مجتمعاتنا، من جهة أخرى.

الأمن الوطني هو استراتيجية حماية الفرد والجماعة والمجتمع والدولة، على مختلف المستويات وإزاء جميع المخاطر. وإذا كان تحقيق الأمن الوطني وظيفة تمارسها السلطة الحاكمة، فهي بلا شك تتقدم في أهميتها على أية وظيفة أخرى من وظائف السلطة.

لذلك فإن جميع الاستراتيجيات الأخرى في المجالات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتربوية والنفسية وغيرها، توضع ضمن الأطر التي ترسمها فلسفة الأمن الوطني. وشروط تحقيق هذا الأمن، هي خلق الظروف المناسبة لتأمين سلامة البلد وسلامة ممتلكاته وسلامة أبنائه ضد أي خطر، داخلي أو خارجي، في زمن السلم أو زمن الحرب.

حين نتحدث عن مفهوم الأمن الوطني لدى النخب السياسية في العراق، نتحدث في الحقيقة عن مفاهيم تعكس هوية ممزقة، عن مفاهيم ليس لها كل الانتماء إلى العناصر الحقيقية التي تستند إليها نظريات الأمن الوطني المعروفة في العالم.

أبرزها الابتعاد عن رؤية الصلة الوثيقة بين البعد الأمني للعراق وتطلعات وأحلام الشعب العراقي، وهي بكل تأكيد تطلعات مختلفة ومتباينة، قدر التباين في أهواء وطموحات الطيف الواسع الذي يضمه هذا الشعب، عرقياً ودينياً ومذهبياً وثقافياً.

لا يعرف المواطن البسيط شيئاً عن الأمن الوطني ولا عن الفلسفة التي تكمن وراءه، ولا عن النظريات التي وضعت حوله، ولكنه يبدأ بالتعرف عليه حين يفتقده، حيث تختل الموازين في حياته اليومية فيفتقد أمنه وتتضاءل فرص العمل أمامه ويتراجع كبرياؤه خطوات إلى الوراء. يتعرف عليه حين يرى عجز السلطة عن حمايته، ويرى عجزها عن توفير فرصة عمل وفرصة تعليم له أسوة بآخرين.

يُقتل الصابئة المندائيون، وهم أقدم من سكن العراق وأثرى بيئته وثقافته بوافر العطاء، فتتشكل لجنة عالمية للدفاع عنهم، ويقتل المسيحيون ويهجرون، فيتدخل بابا الفاتيكان طالباً حماية الرئيس الأمريكي، ويقتل علماء العراق ومفكروه ومثقفوه، وتقصف قراه الحدودية بشكل مستمر من بعض دول الجوار، ضاربة عرض الحائط بسيادة الدولة العراقية.

وتتطاير أشلاء مواطنيه في الشوارع والأزقة في تفجيرات مجنونة، ربما ستصبح محطات لتأريخ أحداث لاحقة، بعد أن اكتسبت تسميات مميزة مثل »الأربعاء الدامي« أو »الأحد الأسود«، حين أهدرت هيبة الدولة وطالت رموزها في عقر دارها.

ردود الفعل لأحداث كبيرة كهذه تأتي في السياق الذي اعتدناه: استنكار وشجب وإدانة وتصريحات نارية وتهديد بالويل والثبور، ودعوات للتحقيق الفوري واتهامات تتطاير في الهواء قبل البدء بالتحقيق، وتبادل الاتهامات بين المشاركين في العملية السياسية حول من هو المقصر، وتسقيط لبعض الرموز البارزة في السلطة لأغراض حزبية انتخابية.

خلل كبير في الأمن الوطني على هذه المستويات لا ينبغي أن يعالج بهكذا أدوات بائسة لن تقدم، في أحسن حالاتها، سوى تخفيف مؤقت للاحتقانات الكبيرة والكثيرة. المشكلة أكبر من مجرد معرفة مرتكبي هذه الجرائم الكبيرة وإيقاع العقوبات بهم، المشكلة تكمن في كيفية إصلاح العملية السياسية نفسها.

ففي الوقت الذي تتحمل فيه الحكومة مسؤولية مباشرة عن الفشل في مواجهة ما يتهدد العراق من أخطار، فإن بقية الكتل السياسية ليست معفاة من المسؤولية. فالخلل الحقيقي يكمن في فشل الجميع في وضع أسس سليمة للعملية السياسية في العراق، وصياغة سياسة لأمنه الوطني.

لن يصنع سياسيو العراق نظرية فاعلة للأمن الوطني، ما لم يصنعوا الهوية الوطنية العراقية أولاً، يصنعوا قناعة لدى كل عراقي بأن هذا البلد بأرضه وسمائه ومياهه، بدستوره وقوانينه وأعرافه، وبالفرص المتاحة لكل منهم، هو بلدهم جميعاً. هذا هو المدخل الحقيقي للأمن الوطني وليس غير ذلك، فهو سداه ولحمته، فالنظرية الأمنية الناجحة هي صيرورة للعناصر التي تجعل مواطن البلد ينتمي إليه طوعياً.

فالأمن الوطني، بالدرجة الأولى، هو المناعة التي تتأتى من قناعة المواطن بأن له كياناً لا يختلف فيه عن الآخرين، على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حاضراً ومستقبلاً، أما ما خلا ذلك فهو إمعان في الابتعاد عن النهج القويم.

الدول الليبرالية في الغرب هي التي تمتلك المناعة الحقيقية التي تحقق أمنها، وذلك لأن مفهوم الأمن الوطني فيها قد صِيغَ على أسس ديمقراطية حقيقية، وفي أجواء طبيعية نشأت بفعل التطور السياسي والاجتماعي والقيمي على مدى أمد طويل، متناغماً مع قناعات الأفراد التي وجدت في أطر الدساتير والأعراف المدنية، حماية لحقوق الجميع واحتراماً لحرياتهم.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae