لطالما شغل الجانب الأمنياتي الحالم حيزاً معتبراً في أروقة الحركة الصهيونية، غير أن قادة هذه الحركة ورعاتها الأوائل المؤسسين وورثتهم الحاليين، لم يسمحوا لأنفسهم يوماً بالاستغراق كلياً في هذا الجانب إلى الدرك الذي ينشدون فيه بعيداً عن الواقع ويحلقون في دنيا الخيال. فلقد كانوا دوماً يأخذون بالأسباب التي من شأنها تحويل تطلعاتهم ورؤاهم النظرية، إلى حقائق ملموسة منظورة على الأرض.

علينا أن نستحضر هذه الخبرة التي تزاوج بين الفكر والفعل، كلما تحرينا مغزى ومعنى ومخبوء ما يصدر عن النخبة القيادية الإسرائيلية من تصريحات وأقوال. إذا فعلنا ذلك أيقنا أن أقوال هؤلاء تُنذر بأفعالهم أو تؤشر إليها.

فهم إن تداولوا الحديث عن التوسع الاستيطاني، كان هذا دليلاً على أن جرافاتهم ومعاولهم تتحرك أو ستتحرك لتنفيذ مشروع استيطاني جرى تخطيطه مسبقاً.. وإن أكثروا التناظر عن مهاجمة موقع ما، لا بد أن نتأكد من أنهم قد بيتوا عدواناً ينتظر شارة الانطلاق وساعة الصفر.. وإن ألمحوا إلى ضرورة التخلص من شخصية مقاومة لهم، وجب على المقصود أخذ الحيطة من احتمال الاغتيال المعنوي أو التصفية الجسدية.

يجوز الاعتقاد عموماً بأن الصهاينة الإسرائيليين لديهم من التبجح والعنجهية والاستقواء وشعور الانفلات من الروادع جميعها، بحيث يقولون أحيانا ما يفعلون ويفعلون ما يقولون.

استناداً إلى هذا التعميم، لا بد أن نأخذ التركيز الإسرائيلي مؤخراً على ضرورة الإفصاح عن يهودية إسرائيل واستقطاب الاعتراف بها، بهذه الصفة الدينية العنصرية الصارخة، على محمل الجد.. وأن نتابع ما يجري على أرض الواقع لتفعيل هذا الهدف.

إعمالاً لهذه المنهجية، لنا أن نلاحظ السعار الإسرائيلي الحكومي والشعبي، في مباغتة فلسطينيي 1948 بسلسلة من الإجراءات والمبادرات الرامية للتضييق عليهم وحشرهم أكثر فأكثر في زاوية ضيقة، باعتبارهم أقلية مغايرة يمثل وجودها بين ظهراني «الدولة» جروحاً مؤلمة لهدف خلاصها ونقائها لليهود فقط.

بهذا المعنى، فإن متابعة تطور السياسات الإسرائيلية التمييزية تجاه هذه «الأقلية»، تعرض مؤشراً بليغاً وحجية دامغة على مسار المساعي الحثيثة لتطبيق مفهوم النقاء العرقي الديني اليهودي للكيان الصهيوني. ذلك أن فلسطينيي 48 هم أكثر وأوقع الحقائق والمعطيات والمكونات المعاكسة لهذا المفهوم.. إنهم، بكلمات أخرى، العقدة الأكثر استعصاء أمام مرور طموح «الدولة اليهودية» الخالصة، والشوكة الأكبر في حلقه.

ويمكن صياغة العلاقة الارتباطية بين سياسات التمييز والفصل العنصري هذه وبين نظرية الدولة القحة يهوديا، في معادلة مؤداها: إنه كلما غذت إسرائيل السير نحو تطبيق هذه النظرية (الهدف) من ناحية، أوغلت أكثر من ناحية أخرى في التمييز ضد فلسطينيي 48. وإذا ما عكسنا شطري هذه المعادلة وجدناها صحيحة أيضاً، فمزيد من سياسات التمييز ضد الوجود الفلسطيني في صلب الدولة، ينذر بالمضي قدماً على طريق تهويد إسرائيل بالكامل.

تتجلى صدقية هذه المعادلة بالنظر إلى تزامن أحدث المعطيات الخاصة بمكانة فلسطينيي 48 مع الدفاع القيادي الإسرائيلي المحموم عن الهوية اليهودية للدولة. آخر الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية تقدم صورة سوداوية «للأقلية العربية»، لا سيما لجهتي الفقر والغنى قياساً بالقطاعات اليهودية..

فنسبة المعرضين لخطر الفقر في إسرائيل عموماً تصل إلى 30%، لكنها في التفاصيل تبلغ 21% بين اليهود مقابل 68% عند العرب. وهناك 78% من العائلات العربية المعرضة للفقر مقابل 28% من العائلات اليهودية.

وعلى صعيد الطفولة، نلاحظ أن 75% من الأطفال العرب مهددون بالفقر، لقاء 27% من أطفال اليهود. ويحصل الفرد اليهودي من الدخل على ضعف ما يحصله الفرد العربي المساوي له في المؤهلات. ويستهلك الفرد اليهودي من الغذاء شهرياً أكثر مما يستهلكه العربي بنسبة 25%.

كما يخصص اليهودي للإنفاق على الرعاية الصحية ما يوازي 110% مما يخصصه العربي، بما يعكس على حد تعبير الناشط السياسي والنائب في الكنيست محمد بركة «وجود طب للأغنياء وآخر للفقراء».. وتفوق معدلات البطالة بين العرب مثيلاتها بين اليهود بأرقام كبيرة.. هذا علاوة على أن ثلث الشابات العربيات المؤهلات جامعيا عاطلات عن العمل، مقابل أقل من 5% من اليهوديات.

وبخلاف حجم التفاوت المذهل بين المعدلات الخاصة بالفقر والغنى والبطالة والعمل وتمكين المرأة لدى كل من اليهود والعرب، يستطيع المرء أن يرصد بسهولة كيف أن المعدلات اليهودية هي إما قريبة أو مطابقة تماماً للمعطيات الأوروبية ذات الصلة. ومن ذلك مثلاً أن 16% من سكان الاتحاد الأوروبي معرضون لخطر الفقر، مقابل 21% من يهود إسرائيل.

ثم إن الحقائق الموصولة بمعاناة فلسطينيي48، المحسوبين على المواطنة الإسرائيلية، تكاد تحاكي الحقائق ذاتها التي يعيشها مواطنوهم التاريخيون تحت الاحتلال في الضفة وغزة.. فكأن اتجاه التمييز الإسرائيلي لصالح اليهود، لا يفرق عملياً بين فلسطينيين وفلسطينيين.

على مدار العقود الستة الماضية، تمكنت إسرائيل من نزع البنية التحتية، الأرض مصدر معظم الموارد أساساً، من بين أيادي فلسطينيي ,48. فتقلصت مساحة ما يملكون من 18% إلى 3% فقط من جملة أراضي الدولة. وبالتوازي، مددت الدولة استحواذها على أرض العرب بتهميشهم اجتماعياً واقتصادياً، ومحاولات الالتفاف عليهم وخداعهم سياسياً.

ونحسب أنه من جماع هذه الإجراءات والخطوات، تمسي قضية تحديد الهوية اليهودية للدولة تحصيل حاصل وأمر واقع. وفي التحليل النهائي يصبح فلسطينيو 48 مجرد مقيمين، أو زائدة سكانية لا يؤبه بهم. المدهش أن السيناريو ذاته، مع بعض التصرف، يطبق في مدينة القدس..

فإسرائيل عمدت ولا تزال إلى توسيع المدينة جغرافياً وإغراق محتواها العربي الفلسطيني باليهود سكانياً، بقصد تهويدها كلياً. وربما كان الفارق بين الإجراءات المتبعة ضد فلسطينيي 48 ورصيفتها الجارية في رحاب القدس، أن إسرائيل لا تتستر علي مرادها تجاه القدس، لا نظرياً ولا عملياً. ففلسطينيو القدس هم بمنطوق قولها مجرد مقيمين، معرضين للعزل عن مدينتهم والحرمان من سكناها وزيارتها، بعشرات الذرائع.

الشاهد أن مفهوم الدولة اليهودية يسعى على قدمين، وهو أمر جد وليس بالهزل. وما مطالبة العرب والفلسطينيين بالاعتراف به، سوى الفصل الأخير من قصة بناء دولة الأبارتيد اليهودي.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com