حين تغيب الحدود في نفس الإنسان، لا بد أن ينعكس ذلك الغياب على سلوكه. سأقف في هذه السطور عند مشهد رأيته في مكان من الممكن أن يوصف بالعام، إلا أن المشهد فيه قدر من الخصوصية التي لا تتناسب مع عمومية المكان. وقد جاء هذا المشهد مكملا للصورة العامة التي يستطيع أي شخص أن يراها أينما قلّب ناظريْه، وما سيأتي ذكره في ثنايا سطور مقالتي هذه مجرد جزء بسيط ـ أو زاوية صغيرة ـ فقط من صورة كبيرة لا نكاد نرى إطارها الخارجي لكبرها، وهي آخذة في الاتساع والامتداد دون أن نشعر، ومع ذلك لا نملك إلا أن نشعر بالصدمة تخترق قوتنا المزعومة وطاقتنا المدّعاة، في مواجهة مصائب الزمان التي أصبحت ذات وجوه وألوان أكثر بكثير من قدرتنا على الإحاطة بها.

لن أقف كثيراً عند المشهد الذي رأيته، ولن آتي على ذكر تفاصيله الباعثة على الحزن والأسى أكثر مما تثيره من صدمة في حينه، فالصدمة تزول، ولا يبقى سوى ما تخلفه من حزن أو تحسر على الحال الذي كنا عليه، والذي وصلنا إليه، لذلك سأكتفي بأن أعرض ما رأيت ـ تلميحاً ـ وأعرض عن ذكر المكان، لأن كل الأمكنة أصبحت متشابهة، وربما أصبحت كلها مشتركة في البلاء نفسه!

يتعلق الأمر بالهيئة أو المنظر الخارجي لبعض بناتنا حالياً، فقد أصبح انحسار الحجاب ولبس الملابس الضيقة وشبه الضيقة ـ ورفع الشعر ارتفاعات توشك بها بعض الفتيات أن يدخلن موسوعة (غينيس) للأرقام القياسية ـ أصبح كل ذلك أمراً يوشك أن يكون طبيعياً، لشدة ما تكرر حتى اعتدنا عليه وإن لم نألفه تماما، لكن المشكلة أن الأمور تأخذ في الاتجاه نحو الأسوأ يوماً بعد يوم، نتيجة غياب الوعي الأخلاقي قبل الديني، وغياب التوجيه الأسري، ونتيجة أمور أخرى ليس هذا مجال التفصيل فيها.

وقد تكلم من تكلم في الموضوع، وسكت من سكت، إلا أن الأمر يزداد سوءاً بالفعل، ويحتاج إلى أن نقف ونسأل أنفسنا، ما الذي يجعل الأمور تختلط عند بعض الفتيات ـ وكذلك عند بعض الشباب ـ إلى هذا الحد؟ وكيف أصبح كل شيء مقبولا، حتى لو لم يكن مقبولا قبل بضع سنوات فقط؟ وربما كان قبل بضع سنوات مرفوضاً رفضاً قاطعاً، لكنه الآن أصبح في عداد الأمور «العادية» أو «المقبولة«!

ليس الكلام هنا على الحجاب الشرعي، فهذا أمر آخر، وليس هنا مجال الحديث عنه أيضاً، إنما الكلام هنا على التفريط في قيمة مهمة جدا، وهي قيمة الخصوصية، وأقصد بذلك التوجه العام نحو التفريط في أمور من الطبيعي أن نحرص على أن نخبئها ونحتفظ بها لأنفسنا، أو على الأقل بين جدران بيوتنا وخلف أبوابها لا تتجاوزها، لا أن نعرضها أمام الآخرين برخص ومجانية.

لقد لاحظتُ بحكم احتكاكي الدائم بالفتيات، مثلا وفي مكان لا يخلو من الرجال أيضا، أنهن لا يتحرجن من أن يتكلمن مع بعضهن ـ بحضور الرجال ـ كما يتكلمن في حال كونهن في مكان خال من غيرهن. أصواتهن، وأحياناً صراخهن، وطريقة ندائهن لبعضهن، والكلمات التي يستخدمنها فيما بينهن، كل ذلك لا يختلف، سواء كان هناك رجال في المكان أو لم يكونوا!

طريقة الجلوس ومكان الجلوس، ليسا من الأمور التي تحرص الفتيات على أخذها في حسبانهن في مكان تطرقه أقدام الرجال كما تطرقه أقدامهن، كل ذلك أصبح متساوياً في نظر الكثيرات منهن، ربما الأغلبية.

الحدود الغائبة تظهر أيضاً في خلط كثير من الفتيات، وربما السيدات أيضاً، بين ما يصلح لليل من الملابس ومساحيق التجميل وما يصلح للنهار، وما يصلح للذهاب إلى حفلة زفاف أو أي مناسبة مسائية، وما يصلح للذهاب للعمل أو الجامعة أو لأي مشوار عادي (البنك، العيادة، السوق..). قبل يومين رأيت فتاة تسير في مكان عام، وهي ترتدي ملابس أقل ما توصف به أنها ملابس خاصة ـ وللقارئ أن يفهم من ذلك ما يفهمه ـ دون خجل، ولا حرج، كأن الأمر طبيعي، وكأن تلك الملابس الخاصة مناسبة في ذلك المكان العام.

هذا الوصف لا يقدم المشهد كما رأيته، وليس من «رأى» كمن «قرأ»، لكن هذا أقصى ما أستطيع أن أنقله للقارئ مع المحافظة على الحدود الواجبة، إذ يكفينا غياب الحدود والفواصل الحمراء والبرتقالية والصفراء والسوداء وكل الألوان ـ ما عدا الخضراء ـ عن تفكير بعض أبنائنا وبناتنا!

كاتبة إماراتية

sunono@yahoo.com