لا يزال الكثيرون يتساءلون.. لماذا منحت لجنة نوبل الرئيس الأميركي باراك أوباما جائزة نوبل للسلام وهو لم يكمل عامه الأول في منصبه؟ وهل كان أعضاء اللجنة يعربون فحسب عن ارتياحهم إزاء غروب شمس السياسات العدوانية التي تبناها جورج بوش؟
في الولايات المتحدة نفسها مضى المحافظون يتبادلون الملاحظات الساخرة، مشيرين إلى أن أوباما لم يفعل شيئا يستحق عنه الجائزة، وأنه كان يحسن صنعا لو أنه رفضها، وكان جليا أنهم في غمار ذلك يعبرون عن توجهاتهم الحزبية. ولكن الكثير من المراقبين تساءلوا عما إذا كان الرئيس الأميركي قد أنجز ما يكفي لجعله يستحق هذه الجائزة؟
فلنتأمل المسألة من منظور آخر. لقد أنشأ المخترع والصناعي السويدي الفريد نوبل جائزة نوبل للسلام، لكي يتم منحها لـ«الشخص الذي بذل أقصى جهد لتحقيق التآخي بين الأمم، ولإلغاء أو تقليص الجيوش، ولتحقيق وتطوير لقاءات السلام».. خلال العام السابق لمنحها له. وكان من بين من نالوا هذه الجائزة: مارتن لوثر كينغ، نيلسون مانديلا ودي كليرك، ياسر عرفات وإسحق رابين، جيمي كارتر، كوفي عنان.. فلماذا أوباما؟
لقد أشادت اللجنة بأوباما على نحو ما، قالت في بيانها «نادرا ما قام شخص بالوصول إلى المدى الذي وصل إليه أوباما في استحواذ على اهتمام العالم، وإعطاء شعوبه أملا في مستقبل أفضل». وقال الأسقف ديزموند توتو الذي حصل على الجائزة نفسها «إنها جائزة تتحدث عن الوعد الذي تحمله رسالة أوباما عن الأمل».
ينبذ البعض الأمل باعتباره وهما، ويذهبون إلى القول إن الأمل لا يعدو أن يكون إثارة للتوقعات التي سوف تتحطم على صخرة الواقع القاسية.. وهو انعكاس للأقوال لا للأفعال. ويضيفون أن بعث الأمل ليس أساسا للحصول على جائزة نوبل للسلام.
ما من أحد يشك في أن أوباما دعا العالم بقوة للانتقال إلى عصر جديد.. وأهاب به ألا يكتفي بمنع انتشار الأسلحة النووية، وإنما أن يمضي قدما إلى نزع الأسلحة النووية، وقامت الولايات المتحدة وروسيا بالخطوات الأولى في هذا الصدد. وقد تحدى إسرائيل والفلسطينيين لكي يبادروا بتجاوز الكراهية، مضيا إلى السلام والأمن المتبادل.
وعرض على الدول المارقة ومن بينها كوريا الشمالية، فرصة جديدة للحوار والمفاوضات. وتعهد بإغلاق معتقل غوانتانامو، وأن يضع نهاية للتورط الأميركي في التعذيب. وأهاب على نحو ناجح بالدول المتقدمة في العالم أن تتكاتف للتصدي للتراجع العالمي.
وأن تقدم المساعدة للدول الأكثر فقرا التي تعرضت لخسائر فادحة بفعل الأزمة الاقتصادية. وتعهد بجعل أميركا قائدا، وليس تابعا في الانطلاق العالمي لمحاربة التغير المناخي الكارثي. لقد تحولت على امتداد العالم المواقف من أميركا والمواقف مما هو ممكن، حيث حرّك أوباما الآمال في صدور الشعوب على امتداد العالم.
إنه مؤشر على مدى المرارة والتعصب الحزبي الذي وصلت إليه الحياة السياسية الأميركية، وأن المحافظين الذين يتباهى الكثيرون منهم بعمق تدينهم، يقللون من شأن هذا الإنجاز الكبير. وينبغي عليهم أن يعلموا أكثر من غيرهم أن الأمل ليس وهما للشؤون الإنسانية، لأنه أساس الإيمان، وبالإيمان بما نعلق الآمال عليه، يمكننا أن نحشد الإرادة للتحرك ضد الظلم، ضد الحرب، وضد حشد الجيوش.
ولا ينبغي عليهم أن ينحوا جانبا على هذا النحو قوة الكلمة. وأوباما رجل شهير كما يقر منتقدوه، وهو خطيب مفوه، ويمكنه استخدام كلماته لحشد أفضل ما فينا أو للتفريق بيننا. وهذه هي أداة فاعلة استخدمها لبعث الأمل في أميركا وخارجها.
ويقول البعض إن الجائزة ستفرض ضغطا على أوباما للاندفاع قدما إلى الأمام. إن المؤكد أن ذلك هو الهدف الذي رمت إليه لجنة الجائزة من وراء منحها له. فأعضاء اللجنة يريدون الاعتراف بالأمل الكبير الذي بعثه في النفوس، وأن يتحدوه لكي يرتقي إلى مستوى ذلك الأمل.
وهذه جائزة تأتي في موعدها بصفة خاصة، حيث يقرر الرئيس الأميركي المنهج الذي سيتبناه في ما يتعلق بالعيد من القضايا المهمة، ومنها نزع السلاح، والتغير المناخي، والشرق الأوسط، والعلاقات مع كوريا الشمالية وإيران. ويتعين على هؤلاء الأميركيين أن يفخروا بالحقيقة القائلة إن الرئيس الأميركي قد تم تكريمه بهذه الجائزة، وعلى الأميركيين باعتبارهم شعبا يتوق إلى السلام، أن يعلقوا الأمل على أن الجائزة ستشجع الرئيس أوباما على القيام بالمزيد والوصول إلى مدى أبعد.
والتحرك بمزيد من الجرأة في قضية السلام. وباعتبار أن أميركا أمة متورطة في حربين، ومثقلة بالانتشار العسكري الباهظ التكلفة في قواعد على امتداد العالم.. فإنها تتعرض لأعظم المخاطر، ويتعين عليها أن تمضي قدما في تحقيق السلام ونزع السلاح.
دعونا نتحمس للرئيس الأميركي لإنجازه الكبير في الشهور الأولى التي أمضاها في منصبه، حتى في غمار الضغط عليه، لكي يحقق رسالة الأمل التي جلبها للعالم.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية
