يدور الملف النووي الإيراني في حلقة مفرغة، فمع كل بارقة أمل في التوصل إلى تسوية بين إيران والدول الغربية، تجهض الآمال، ويبدأ الحديث حول الملف مرة أخرى من نقطة الصفر.
وآخر هذه المحاولات التي علق عليها العالم آمالا كبيرة، تتعلق بامتناع إيران عن قبول مشروع أعده المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، لتخصيب غالبية مخزونها من اليورانيوم في الخارج، مشيرة إلى أنها تفضل «شراء» الوقود النووي لمفاعل طهران للبحوث الطبية، وتنتظر «رداً بنّاءً، يساعد في بناء الثقة» على اقتراحها في هذا الشأن.
وقد شكل هذا الموقف الإيراني خيبة أمل للولايات المتحدة وروسيا وفرنسا التي وافقت على مشروع البرادعي، كما اعتبر ضربة لسياسة اليد الممدودة التي انتهجها الرئيس الأميركي باراك أوباما حيال طهران، خاصة وأن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون كانت قد حذرت إيران من أن المجموعة الدولية لن تنتظر إلى ما لا نهاية، كي تفي بالتزاماتها المتعلقة ببرنامجها النووي.
وقالت، بعد محادثاتها في لندن مع نظيرها البريطاني ديفيد ميليباند، إن «الأقوال لا تكفي، ونحن نتحدث بصوت واحد لتوجيه رسالة واضحة إلى إيران، مفادها أن المجموعة الدولية لن تنتظر إلى ما لا نهاية لكي تثبت إيران أنها مستعدة لاحترام التزاماتها الدولية».
وهذه الحلقة المفرغة التي يدور فيها الملف النووي الإيراني، تتطلب من المراقب أن يبحث في أسبابها، وهل تعود إلى تعقيدات خاصة بالملف نفسه، أم تعقيدات خاصة بمنطقة الشرق الأوسط، أم بأخرى تتعلق بالداخل الإيراني وأيضا الداخل الأميركي؟ والحاصل أننا نلمح تقسيما للأدوار أو خلافا بين أجنحة الحكم الإيراني، وقد بدا هذا الأمر بصورة واضحة في الموقف من مشروع البرادعي.
ففي الوقت الذي اعتبره علي أصغر سلطانية مندوب إيران لدى الوكالة الذرية «إيجابياً جداً»، فإن التلفزيون الإيراني الرسمي نقل عن مصدر مقرب من المفاوضين الإيرانيين في فيينا قوله إن «بعض وسائل الإعلام أفاد بأن بعض الأطراف أعطى رداً إيجابياً على اقتراحاتها الخاصة، ما يُعتبر سلوكاً يدعو إلى الدهشة»، مذكراً بأن «إيران هي التي تشتري الوقود النووي لمفاعل طهران، وعلى البائعين أن يعطوا إجابة عن اقتراح الشاري».
وتابع المصدر أن «إيران باشرت المحادثات في فيينا مع مقاربة بناءة، ولا تزال تنتظر رداً بناءً يساعد في بناء الثقة، على اقتراحها الواضح بشراء الوقود لمفاعل طهران للبحوث، بما يعزز الثقة في مقابل شفافية الجمهورية الإسلامية وحسن نيتها»، وهو ما يمثل رفضا ضمنيا للاقتراح. ونقل التلفزيون عن عضو في الوفد الإيراني المفاوض قوله «ننتظر من الطرف الآخر تفادي أخطاء الماضي في انتهاك الاتفاقات، والقيام بجهد لكسب ثقة الأمة الإيرانية».
ومن يعرف مؤسسات صنع السياسة الإيرانية وتركيبة الحكم في إيران، يدرك أن هذه التصريحات وموقع صدورها، تعني أن هناك اختلافات في وجهات النظر بين فرقاء السياسة الإيرانية حول سبل تسوية الملف الإيراني، وسوف نظل ندور في الحلقة المفرغة لحين حسم هذا الخلاف داخليا في إيران.
على الجهة المقابلة، فإن هناك اختلافات بين أركان الإدارة الأميركية حول التعاطي مع الملف النووي الإيراني، كما يوجد خلاف كبير في وجهات النظر بين الديمقراطيين والجمهوريين، وهناك قوى داخل الكونغرس وأخرى في مراكز الأبحاث اليمينية، تدعو إلى أن يكون الخيار العسكري هو الخيار المعتمد تجاه إيران.
وبالطبع فإن الخيار العسكري نفسه له سيناريوهات متنوعة، منها أن تحشد الولايات المتحدة تحالفا دوليا مشابها لما حدث ضد العراق من أجل توجيه ضربة عسكرية ضد إيران تنتهي بإسقاط نظامها السياسي، ومنها أن توجه ضربة إجهاضية منفردة تتركز على المواقع المشتبه في أنها تمثل المواقع النووية في إيران. وهناك حل آخر، وهو أن تتولى إسرائيل هذا الأمر مع دعم أميركي خفي، ودعم لها في المحافل الدولية في مرحلة ما بعد الضربة العسكرية الاجهاضية الخاطفة.
والحاصل أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يرى أن التهدئة تجاه إيران يمكن أن تقنع الأخيرة بتقديم تنازلات مهمة في ملفها النووي، وأن إيران لو اطمأنت إلى عدم وجود خيار عسكري في مواجهتها، فإن رؤية التيار المعتدل داخل الحكم الإيراني ستتعزز بما يساعد على التوصل إلى تسوية مناسبة حول هذا الملف.
ولكن الرئيس أوباما يواجه بانتقادات من قبل المحافظين مفادها أن سياسة الحوار والانفتاح التي ينتهجها مع طهران ساذجة، وأنه على الولايات المتحدة أن تعود إلى استراتيجية أكثر صدامية مع إيران، مبنية على القوة العسكرية.
وهذا الخلاف في وجهات النظر داخل الإدارة الأميركية وخارجها، هو أيضا من أسباب عدم حسم الموقف من الملف النووي الإيراني، وهو ما يجعل الملف يدور في هذه الحلقة المفرغة.
وبالطبع فإن حسم الخلافات الداخلية في كل من الولايات المتحدة وإيران حول هذا الملف، يتطلب وقتا ليس بالقصير، لأنه يتطلب تسويات داخلية من جهة، والتخلص من صراعات داخلية في الحكم من جهة ثانية، وهو ما يعني أننا سنظل نراوح مكاننا حول هذا الملف، وأن كل جانب يمارس مع الآخر لعبة كسب الوقت والمناورة، حتى يجدّ جديد يحسم الأمر لصالح أي من الأجنحة المتصارعة، سواء هنا أم هناك.
وحتى ذلك الحين، سيظل الملف النووي الإيراني يدور في الحلقة المفرغة التي يدور فيها حاليا.
كاتب مصري