حماية اللغة العربية لا تعني شعارات، بل إجراءات عملية على الأرض، تعني مراقبتها وحفظها وتأصيلها والاتكاء عليها، والافتخار بها، وجعلها هي الأولى على سواها، وتغذية الأجيال بها كالماء والهواء والغذاء.
قبل سنتين تقريباً رفعت شعارات كبيرة وكثيرة ودعمت بإجراءات، وبدا واضحاً أن هناك اهتماماً لأن الميدان لمس ذلك، كإجراء اعتمادها في المخاطبات الحكومية، ووجه قطاع التعليم إلى الاتكاء على العربية وإعادة مكانتها لدى الطالب، ومع هذه الجهود ما زلنا نقول إن العربية تحتاج إلى اهتمام أكثر من ذلك، نتيجة ممارسات ما زالت تضع العربية في مراتب متأخرة، وما زال الواحد منا يسير في الشارع ويتحسر حينما تصطدم عيناه بحروف لغة الضاد مشوهة ومحرفة، وما زال الحزن يأكلنا حينما نرى الإهمال يطالها بواسطة ثقافة الاستهلاك التي غطستنا في بحرها وأغرقنا موجها العالي.
شيء من أمل يتبدى هنا وهناك، كلما زادت تلك المبادرات الداعمة لتأصيل العربية، ولا بد أن ندعم تلك المبادرات ونرفع لها الصوت عالياً، وأن نحث على المزيد منها، وأن نندفع باهتمام بالغ وبغيرة كبيرة لكي تحضر العربية في ملتقياتنا وأنشطتنا وفعالياتنا، الدولية قبل المحلية، تلك التي نستضيفها على أرضنا العربية. صوت العربية يجب أن يرتفع ويصبح هو المسموع، وبقية اللغات هي الهامش الذي يسير بجوارها ولا يتقدم عليها، تماماً كما يفعل الآخر حينما يسعى لتصدير لغته وثقافتها إلى كل مكان.
إصرار هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي على إلزام المدارس بإحياء العربية وتحقيق منجزات ملموسة من خلالها، واحد من هذه المبادرات المهمة، وهذا ليس مدحاً مجانياً للهيئة، لأنه من صميم عملها وما نطالبها به، كونها الجهة المسؤولة عن المعرفة والتنمية في البشر. فإصرار الهيئة على ضرورة تعزيز العربية وأساليب تدريسها، وربط منجز المدرسة ونجاحها وتقدمها وتميزها على قائمة التميز، بما تحققه من خدمة للغة الضاد، محك مهم تضعه الهيئة أمام المدارس، وخصوصاً مدارس القطاع الخاص التي تتعامل مع العربية، وكما يبدو من انعكاسات الواقع ومرارته، بإهمال بالغ وفظيع.
نأمل أن تذهب الهيئة إلى أقصى الإجراءات من أجل تعزيز لغتنا القومية وهويتنا التي لا مجال للحياد عنها لجهة مستقبل أبنائنا، فما ينز به الواقع من اندياح الأصيل والعميق والمثالي، وسطوة الاستهلاكي والمنسلخ عن جلده الأصلي، يؤشر إلى استشرافات محزنة، خصوصاً عند جيل الصغار الذين باتوا يرضعون اليوم حليب ثقافات متداخلة تهمش ثقافتهم الأصيلة وهويتهم العربية.
مبادرة في غاية الأهمية من قبل هيئة المعرفة، نأمل أن تعيد مدارسنا إلى الجادة الصحيحة التي تضع العربية في المرتبة الأولى.
