الإنسان العربي في هذا الزمن، يقف مترددا بين رفض التسليم وبين قبول الأمر الواقع، خاصة تجاه قضاياه المصيرية التي تؤرق مشاعره وتتقاطع مع رغباته.

ولعل من أهم هذه القضايا المشحونة في ضميره، القضية الأم التي باتت على حال وأصبحت في ولوال، والكل يدرك تماما أن قضيتنا الوثيرة قد فقدت الكثير من جاذبيتها، وفترت المشاعر تجاه تتبع مجرياتها.. بل إن البعض ذهب لنعيها نهائيا، وأعلن أن القضية ماتت وأصبحت فعلا من الماضي!

ورغم صعوبة تقبل هذه الحقيقة، إلا أنها تظل تأكل قلب البعض وتبقى حسرة في نفوسهم، فالتغيرات العميقة والمحبطة التي لعبت دورا في تردي حال الأمة العربية، ساهمت في إحداث تبدل نوعي في مواقف العرب الذين ينظرون إلى القضية من منظار الخلافات الفلسطينية الفلسطينية، أو من واقع شرعية التمثيل السياسي الفلسطيني.

ومن خلال مدى مصداقيتهم في حمل الحقوق الضائعة للشعب الفلسطيني المشرد، والمحافظة على حقه في الرجوع، وحقه في مقايضة لا تقبل الخسران، وحقه في تصدير قضيته دون هزل أو تهاون. ولعبت كواليس السياسة الفلسطينية بمن يمثلها في جميع المراحل السياسية التي مرت بها، دورا صعبا في رسم ملامح الخارطة السياسية لدولة فلسطين بما تمثله من حلم وواقع.

لذا لم يكن بإمكان الإنسان العربي البسيط التكهن بما يمكن أن يحدث في أوسلو، وكما يقول المفكر الراحل ادوارد سعيد «إن اتفاق أوسلو هذا وفّر للإسرائيليين وأنصار إسرائيل شعوراً بأن المشكلة الفلسطينية قد انحلّت إلى الأبد، كما أعطى الليبراليين شعوراً بالإنجاز، خصوصاً مع الهجوم الذي يتعرض له (السلام) من ليكود وحركة الاستيطان، وهذا بدوره جعل من المرفوض أن يعبر الفلسطينيون عن أي شيء، سوى التقدير لما قدمه لهم اتفاق أوسلو وما قدمه كلينتون ورابين وبيريز».

أما ما حدث بعد أوسلو فهو كثير من الخيبات التي أضعفت من قدرة وحجم المفاوض العربي، ولا سيما الفلسطيني الذي كان فردا من الدرجة الثانية، وتقزّم معه تاريخ النضال الفلسطيني بأكمله، وهبت رياح النسيان على شهداء الأمة الذين لم يكن في حسبانهم ضياع القضية وتسربها بهذا الشكل الممجوج، واستقر الحال بالفلسطينيين في غزتهم وأريحتهم، وغضوا النظر عن قدسهم، وأصبح التكيف بتجميل مكتسبات أوسلو 1 وأوسلو 2، هو الشرعية التي اشتغلت عليها المنظمة وكأن التحرير قد طال فلسطين بأكملها!

ولا يمكن للمواطن العربي أن يتصور مع تسلسل هذه المجريات، كيف وصل الحال إلى هذا التردي في الإحساس بأن القضية لم يعد لها وجود وأن اللعب بأعصاب الشعب العربي هو مسرحية يقوم فيها «سين» من الفصائل أو «صاد»، بافتعال حرب العصابات التي اشتعلت بين الإخوة الأعداء، وضاعت مرة أخرى القضية بين أرجل المراهقين وأصحاب المصالح والنفوذ.

وإذا كان من الصعب تفهم عمق الخلافات الفلسطينية وأبعادها، فالأصعب هو الثمن الذي دفعته القضية حتى اللحظة.

لذلك لا نجد ضيرا من بعض المشاهد الهزلية التي تحدث هنا وهناك، وتحت مسمى وإطار المماطلة في مصالحة ووفاق وطني يرقى فوق كثير الاعتبارات الشخصية، وما أكثر مؤتمرات الصلح التاريخية التي حدثت وسوف تحدث مستقبلا ولم تفض إلا لمزيد من التشرذم! فالمتابع يستطيع أن يرصد مدى جدية الرغبة في إنهاء صراع الأشقاء من عدمه، بل يمكن أن يقرأ ما بين السطور من خلال تلك الخطب المملة التي لم تعبر يوما عن مضمونها، وإن عبرت فإنها نسيت أن تفعّله.

ولعل من غير المناسب أن نتجاهل ونحن نبحث عن سبب هذه الجفوة، تلك الإحباطات التي لمسناها من خلال إجهاض عملية الانتخابات، وإسقاط الشرعية وانتزاعها وإثبات فشل سياسي كبير في المحافظة على شكل دستوري للحكم.

من ناحية ثانية، فإن ما نراه من إفشال حقيقي ومقصود للمقاومة وخيانة لمبادئها، هو قمة الشعور بالخذلان والذي يظل يرافقنا كلما رأينا المصافحات والقبلات بين الوفود الفلسطينية والإسرائيلية، ما يعجز معه العقل العربي أحيانا عن إبداء تعاطفه تجاه بعض الادعاءات بالظلم والعدوان!

بل إن المفارقة قد بلغت مداها مؤخرا، وكان من المحزن أن تقوم السلطة الفلسطينية بإرجاء التصويت على تقرير غولدستون، والذي أقل ما يقال عنه إنه أنصف الوضع المزري في القطاع، في حين جاء ظلم ذوي القربى أشد مضاضة وغير متوقع! وحتى هذه اللحظة لا يزال الغموض يكتنف موقف وصورة «السلطة الوطنية الفلسطينية» حول هذا التقرير، الذي أفسد جزءا من التاريخ النضالي الذي كان.

إن القضية الفلسطينية التي لم نلمسها بعد، هي قضية قدسنا الشريف الذي فرطنا فيه من قبل ومن بعد. فالقضية لم تكن محصورة بين حماس وفتح وفصائلهم، ولن تكون محمود عباس ومشعل، ولم تكن حتى عرفات وأبو جهاد وحبش.. بل كانت أكبر وأعمق من أن تحجم أو تقاس. ولكن يظل الإنسان العربي شاهد زور على أحداثها التي تترى أمام ناظريه، دون أن يستطيع أن يغير شيئا، لا بيديه ولا بلسانه ولا حتى بقلبه.. هي قضية شهادة على بيع ما تبقى من وطن ومن شعب ومن ذاكرة.

فقد تحوّل الصراع العربي الصهيوني بين ليلة وضحاها، إلى صراع على تقسيم الكعكة الصغيرة التي تركها الصهاينة للعرب كي يجعلوها شغلهم الشاغل، واستطاعوا أن ينجحوا بجدارة. فقد تمكنوا، بالإغراء أو بالإغواء، من أن يوجدوا لهم ممثلين «شرعيين» وبملامح عربية، استطاعوا أن يخدموا المصالح الصهيونية ويفعّلوها، ويثبتوا خطأ مقولة «أنا وأخويا على ابن عمي..»!

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com