كنت في الخامسة عشرة من عمري (في 1950) عندما توفي الكاتب الأيرلندي الشهير برنارد شو. وقد لفت نظري وأنا أقرأ بعض ما كتب عنه بمناسبة وفاته، أنه كان يعلق صورتين فوق سريره.

وجدت حينئذ (ولا أزال أجد) من الصعب أن نتصور أن تجتمع على نفس الحائط، صورتان لشخصين يختلف أحدهما عن الآخر لهذه الدرجة. كانت إحدى الصورتين لجوزيف ستالين، الدكتاتور الروسي الشهير، والأخرى للمهاتما غاندي، الزعيم الهندي المسالم، وبطل المقاومة السلبية ضد الانجليز.

قرأت فيما بعد عن حياة برنارد شو وأفكاره ما يمكن أن يلقي بعض الضوء على اجتماع هاتين الصورتين فوق سريره. فبرنارد شو من ناحية اشتراكي عتيد، لديه ميل قوي لتحقيق المساواة في توزيع الثروة والدخل، مما يتفق مع آراء ستالين كرئيس للاتحاد السوفيتي. نعم، كان برنارد شو يكره ديكتاتورية ستالين، ولكن الفظائع التي ارتكبها ستالين باسم الاشتراكية لم تكن قد شاعت المعرفة بها بعد، بل لم يعرف العالم بها على نحو اليقين إلا بإعلان الرئيس السوفيتي خروتشوف لهذه الفظائع في 1956، بعد وفاة ستالين بثلاث سنوات وبعد وفاة برنارد شو بست سنوات.

من ناحية أخرى كان برنارد شو، شأنه شأن ملايين من البشر، معجبا أشد الإعجاب بشخصية ومبادئ المهاتما غاندي، في بساطته وقناعته وثقته التي لا حد لها، بقدرة الجوانب الخيّرة في الإنسان على الانتصار على الجوانب الشريرة، واقتناعه بأن الشر لا يجب أن يقابل بالشر، بل بما عرف «بالمقاومة السلبية» وهي التي لعبت دورا رائعا في إثارة المتاعب للحكم الانجليزي في الهند، وانتهت بتحقيق الهند لاستقلالها في 1947، قبل وفاة غاندي بعام واحد.

لقد بدت المفارقة مدهشة: أن تجتمع الصورتان جنباً إلى جنب فوق سرير واحد، وأن يجتمع الإعجاب بهما في ذهن شخص واحد. إذ كيف يمكن التوفيق بين رجلين مختلفين بدرجة اختلاف ستالين وغاندي؟ الأول يذهب إلى أقصى حد في تطبيق مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، بينما يعتبر غاندي نبل الوسيلة جزءا لا يتجزأ من نبل الغاية، وأن الوسيلة الدنيئة لا يمكن أن تؤدي إلى تحقيق أي غاية نبيلة.

ولكن حلّ هذا اللغز ليس هو ما يهمني في هذا المقال، بل ما يهمني هو مقدار ما طرأ على العالم من تغير خلال العقود الستة التي انقضت على وفاة برنارد شو. إذ خطر لي السؤال الآتي: هل يمكن أن نتصور الآن (في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين) أن يشهد العالم ظهور شخصية مثل ستالين، أو شخصية مثل غاندي؟

أو بعبارة أدق: هل يمكن أن نتصور أن تشهد أي دولة في العالم شخصية تلعب دوراً مماثلا للدور الذي لعبه ستالين في تاريخ روسيا، أو للدور الذي لعبه غاندي في تاريخ الهند؟

وجدت الإجابة سهلة للغاية، وهي بالنفي نفيا قاطعا. ومن ثم بدأت أسأل نفسي عما حدث بالضبط في العالم خلال تلك العقود الستة، ليجعل حدوث مثل هذا مستحيلا؟

لقد عرف القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كثيرا من الشخصيات التي لعبت دورا مهما في التاريخ، اعتمادا على ما توفّر لها من صفات بالغة الجاذبية وشديدة التأثير في الناس (مما اصطلح على تسميته بالكاريزما)، من نابليون في أوائل القرن التاسع عشر، إلى بسمارك في ربعه الأخير، إلى هتلر وتشرشل وماو تسي تونغ في الربع الثاني من القرن العشرين، وكذلك ستالين وغاندي.

من الصعب جدا أن نتصور أن تتكرر هذه الظاهرة في القرن الحادي والعشرين، وأنا أميل بشدة إلى الاعتقاد أن جون كنيدي كان آخر مثال لهذه الظاهرة في الولايات المتحدة، ومارجريت تاتشر هي آخر مثال لها في بريطانيا، وكذلك الجنرال ديجول في فرنسا. ولنفس السبب أعتقد أن باراك أوباما لا يمكن أن يكرّر هذه الظاهرة في الولايات المتحدة، إذ سرعان، في رأيي، ما يتبين أن قوى كثيرة تلعب ضده، أو على الأقل تلعب ضد أن يكون له أثر مماثل لما كان للشخصيات الكاريزمية التي ذكرت بعضها.

السبب في رأيي هو أنه، على الرغم من كل ما لوسائل الإعلام الحديثة من سطوة وتأثير في الناس، أصبح الناس في مختلف الدول، ومختلف أركان العالم، أقل استعدادا للحماس للمبادئ المجردة التي تستند إليها عادة الشخصية الكارزمية.

لا أعتقد أن شعارات الثورة الفرنسية (الحرية والإخاء والمساواة) يمكن أن تشعل حماس الناس اليوم مثلما كانت تشعله في أيام نابليون، ولا شعارات القومية كما كانت في أيام بسمارك، ولا الشعارات العنصرية مثل أيام هتلر، وكذلك شعارات الاشتراكية وعدالة التوزيع مثلما كان الحال في أيام لينين وستالين. كما أشك بشدة في أن من الممكن أن تشعل حماس الناس دعوة كدعوة غاندي للمقاومة السلبية.

الناس أصبحوا أكثر واقعية وأقل مثالية، أكثر انشغالا بتلبية مطالب الحياة العاجلة، منهم بالتفكير في مستقبل أكثر سعادة وجمالا. لست واثقا على الإطلاق من أن هذا التحول كان تحولا إلى الأفضل، ولكني واثق من أن هذا التحول قد وضع نهاية (أو كاد يضع نهاية) لظهور شخصيات من نوع جوزيف ستالين، أو المهاتما غاندي.

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu