التخوف لدى البعض من استمرار البروز الإيراني على مستوى المنطقة، يقابله لدى آخرين الارتياح من الحراك السياسي التركي على مستوى الدول الغربية. وربما يشكل التحرك التركي الأخير محاولة من تركيا لإيجاد نوع من التوازن واللحاق بالنشاط غير المعهود والمتسارع في الآونة الأخيرة للدور الإيراني في المنطقة.

فإيران موجودة اليوم على الخارطة بشكل ملفت، ولم يعد العالم يتحدث اليوم سوى عن البرنامج النووي الإيراني، ودور إيران المتنامي ومشاكل انتخابات إيران وتصريحات نجاد واضطرابات الشارع الإيراني وخطب مرشد الثورة. ومنذ أن خلف أوباما بوش في قيادة أقوى دولة في العالم، بدأت اتجاهات الريح تنتقل باتجاه إيران بدلا من حليفتيها التقليديتين في المنطقة، وباتجاه تركيا بدلا من إسرائيل.

لماذا إيران ولماذا في المقابل تركيا؟

إيران لم تعد تلك الدولة المغلوبة على أمرها كما كانت أيام حكم الشاه حين كانت تخضع لتعليمات السياسات الخارجية المفروضة عليها، أو بعد وأثناء الثورة في نهاية السبعينات من القرن الماضي، أو حتى خلال حربها مع العراق. فهذه الجمهورية الإسلامية خرجت من أزماتها وأصلحت بيتها بقدر استطاعتها، وأصبحت اليوم تتمتع بنظام حكم داخلي ثابت ومتماسك، جعل العديد من الشعوب يحسدها عليه، بل وأحرجت به العديد من الدول الغربية لأنها لم تجد عليها ممسكا يمكن من تحجيمها ولجمها سوى برنامجها النووي، رغم ادعاءات إيران بأنه مجرد برنامج سلمي، مع أن الحقيقة ربما تقول غير ذلك.

فإيران أصبحت تتمتع اليوم ببرلمان منتخب ورئيس جمهورية منتخب واعتماد صناعي على الذات، رغم الحصار المفروض عليها منذ عقود، وصولا إلى امتلاك قدرات عسكرية تتطور بشكل غير اعتيادي. وهذه الثقة بالنفس ربما هي التي أرغمت الولايات المتحدة أخيرا وفي عهد أوباما، على التفكير من جديد في التعامل معها بطريقة مختلفة. فأمريكا تريد أن تجعل لها شريكا قويا في المنطقة، وإيران أكدت كافة التقارير والأبحاث أنها دولة سيكون لها وزنها في السنوات المقبلة، شاء الغرب أم أبى.

والمناورات الإسرائيلية الاميركية في هذه الأيام، ما هي إلا مجرد حركة بهلوانية أمام مكر ومناورات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، الذي يجلس ممثلوه على طاولة المناقشات حول برنامجها النووي الذي وصل في ما يبدو إلى مراحل متقدمة، وأصبح من العسير إلغاؤه أو تدميره بضربة سريعة واحدة كما حدث لمفاعل تموز العراقي، وتدل هذه المناورات العسكرية أيضا على أن هاتين الدولتين تحسبان جيدا خطورة البعبع القادم من الضفة الشرقية للخليج العربي.

لقد تعلم العالم من إيران أن الرفض وعدم التنازل أو التهاون والتمسك بالمواقف والهجوم، هو الوسيلة الأكثر ضمانا لكسب معركة الحرب الممتدة منذ عصور الإمبراطورية الرومانية والفارسية، بين الشرق والغرب، وبين الضعيف والقوي. واستفادت تركيا من هذا الدرس بعد أن استفاقت من أحلام الاتحاد الأوروبي.

وبالرغم من عدم وجود أي قواسم مشتركة في السياسة الخارجية والداخلية ونظام الحكم بين الجمهوريتين الإيرانية الإسلامية والتركية العلمانية، إلا أن الاتفاق الضمني على التعامل مع الغرب بطريقة الترفع ومن منطق التعالي، قد يؤتي ثماره.

لقد أخطأ الاتحاد الأوروبي خطأ فادحا بعدم قبول طلبات تركيا المتكررة للانضمام إلى منظومته.

وخوفهم أو تخوفهم هذا ناتج في الواقع من أن دخول جمهورية مسلمة بهذه الضخامة في دائرة الاتحاد الأوروبي، قد يقلب موازينهم مع مضي الوقت ويسهل انتشار الإسلام في أوروبا، خاصة وأن إسرائيل غير راضية عن ذلك لأسباب عديدة، وربما لعبت دورا مهما في ذلك الرفض. وفسر الكثيرون محاولات تركيا التقرب من إسرائيل في القرن الماضي وبدايات هذا القرن، بأنها ما هي إلا تكتيك للحصول على دعمها لدخول الاتحاد الأوروبي. غير أن ذلك لم يأت بنتيجة، واكتشفت تركيا أن التكتيك الإيراني قد يكون أكثر جدوى، ويبدو أنها نجحت بالفعل.

والوفد الأمريكي الموجود هذه الأيام في تركيا لحل أزمة العلاقات التركية الإسرائيلية دليل على ذلك، وهو أيضا خطأ تكتيكي غربي لا مبرر له. ترى من كان يتوقع قبل عشر سنوات أن تستبعد تركيا إسرائيل من أي مناورات عسكرية تقرر أن تشترك فيها معها؟

وسواء أكان تأخر إسرائيل في تسليم تركيا صفقة من الطائرات أو ردة الفعل الشعبية على حرب إسرائيل على غزة، أو المسلسل التركي (الفراق) الذي يتحدث عن معاناة الشعب الفلسطيني تحت أيدي الجنود الإسرائيليين، هي مع غيرها أسباب القرار التركي وسبب أزمة العلاقات بين البلدين، إلا أن الكرة أصبحت الآن في ملعب الغرب، وتركيا تدرك تماما أنها تتحرك من خط الهجوم.

وأنه في مقابل بروز نجم إيران في شرق المنطقة، خاصة في ذهن السياسة الأميركية الجديدة، تريد تركيا أن يسطع نجمها في جهة الغرب، بحيث لا تنفرد إيران بالاهتمام كله. وتطور العلاقات التركية السورية تسير في هذا الاتجاه. وهي فرصة لا تعوض لتركيا مع بداية أفول نجمة داوود بعد ستين عاما من الحرب والاستبداد والهيمنة، فشلت فيها الدولة العبرية في كسب ود أي من جيرانها، وفقدت صلاحيتها من وجهة نظر مصلحة الغرب.

إن هاتين الدولتين من خلال هذا التنافس، بالرغم من أن مصالحهما في النهاية مشتركة خاصة فيما يخص الشأن العراقي، تطمحان ليس فقط في لعب دور القيادة الشرق أوسطية بعد بداية انحسار دور إسرائيل، أو في إبعاد التهديدات الخارجية من خلال الظهور بمظهر القوة، وإنما أولا وقبل كل شيء في تطوير ودعم خطط التنمية الداخلية الخاصة بكل منها وتثبيت مكانتها الإقليمية، وإذا ما تحقق لها ذلك، أمكنها الانتقال بعدها، وهذا ما لا نستبعده، إلى نظام إقليمي جديد يتمثل في تحالف تركي إيراني يحل بديلا عن الوصاية المسيحية على المنطقة.

لكن هل يكون تحالفا على الطريقة الإسلامية؟ لا نعلم.. فالطريق ما زال طويلا وبعيدا وصعبا..

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com