عندما تأسس تجمع دول شنغهاي (SCO) عام 2001، اقتصر على 6 دول هي: روسيا والصين وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان. وعقدت القمة الثانية في يونيو 2002 في مدينة بطرسبرج الروسية والتي أقر فيها ميثاق تجمع شنغهاي، ويعتبر هذا الميثاق هو الوثيقة المؤسسية التي تحدد الأهداف والمبادئ والهيكل التنظيمي للمجموعة والمجالات الرئيسية لنشاطها.
وتوالت القمم سنويا، حيث انعقدت في أواخر مايو من هذا العام في مدينة يكاترنبيرغ الروسية، القمة الأخيرة لتجمع شنغهاي. وحظيت هذه القمة باهتمام دولي وإقليمي، بما فيه من قبل الدول العربية، نظرا للدول الآسيوية الكبيرة التي شاركت في أعمالها، ابتداء من روسيا والصين وانتهاء بالهند وباكستان وإيران.
ومن الأهداف الرئيسية لتجمع دول شنغهاي، تقوية الثقة المشتركة وحسن الجوار بين الدول الأعضاء، وكذلك تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والعلمي والثقافي، كما أن التجمع يسعى لتضافر الجهود من اجل السلام والأمن والاستقرار في القارة الآسيوية، والعمل نحو إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد، وتعزيز حوار الحضارات، باعتبار دولها تشمل الديانات الإسلامية والمسيحية والكونفوشيوسية والهندوسية. ومنذ 8 سنوات من عمر تجمع شنغهاي تنامى نفوذه وأصبح يلعب دورا على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وإذا حاولنا النظر إلى مجموعة الدول هذه من منطلقات الدبلوماسية الروسية، نجد أن روسيا تسعى لإعطاء بعد امني لنشاط تجمع شنغهاي، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى الحلف العسكري مثل حلف الناتو.
كما تدرك روسيا أنها لا تنفرد بزعامة هذه المجموعة، وإنما هي إحدى القوتين الكبريين فيها إلى جانب الصين، ومع ذلك فإن روسيا قد تجد تلك العناصر المشار إليها آنفا تحقق لها بعض الغايات التي لا تجدها في حلف وارسو سابقا، أو كومنولث الدول المستقلة (CIS) أو منظمة معاهدة الأمن الجماعية (CSTO) حاليا.
واقتنعت كل من الصين وروسيا بأن لا تضعف إحداهما دور الأخرى في تجمع دول شنغهاي، لإبقاء المكانة المرموقة للمجموعة أمام أنظار الدول الأعضاء من آسيا الوسطى، ولتعزز مصداقية الصين وروسيا ودورهما الريادي في تحقيق أهداف هذه المجموعة.
ومما لا شك فيه أن روسيا على المستوى الاقتصادي تمثل قوة معتدلة أمام طموحات الصين التجارية، ويمثل تجمع شنغهاي منطلقا لإعادة صياغة علاقات ودية بين الصين وروسيا على المستوى الاستراتيجي، وبالفعل فقد تحسنت وتتحسن باستمرار العلاقة بين هذين البلدين، مقارنة بحقبة التنافس الأيديولوجي في زمن الحرب الباردة. وفي حين أن التعاون بين روسيا والولايات المتحدة في آسيا الوسطى نشأ بهدف مقارعة طالبان، فإن روسيا في المقابل ترى أن تجمع دول شنغهاي يمكن أن يكون وسيلة ناجعة لموازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة في هذه المنطقة، من خلال روابطها مع الصين ودول آسيا الوسطى المنضوية ضمن تجمع شنغهاي.
وعلى الصعيد الأمني تنظر روسيا إلى تجمع شنغهاي ومنظمة معاهدة الأمن الجماعية، التي تضم الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى، كجناحين لتحلق بهما في هذا الفضاء الإقليمي.
ويظل حلف الناتو يتميز في الأسس المشتركة لأعضائه، في حين أن الدول التي تنضوي في إطار تجمع شنغهاي تتنوع اهتماماتها الأمنية وتتعدد أجنداتها الاقتصادية. وتعتبر روسيا أن المصالح الاقتصادية مع دول آسيا الوسطى، يمكن أن تتحقق من خلال التجمع الاقتصادي الأورو آسيوي (EURASEC).
إن روسيا والصين في نظرتهما لمستقبل تجمع شنغهاي، تحملان أبعادا عديدة، بما في ذلك النظر إلى القضايا المؤسسية في المجموعة وتوسيعها، والشراكات الجديدة فيها وتقوية التعاون بين الدول المشاركة في التجمع، إلا أن الموقف الروسي يتسم بالتحفظ تجاه توسيع العضوية الكاملة في تجمع شنغهاي، خشية أن تشمل هذه العضوية الهند وباكستان، على سبيل المثال، في ظل خلافات البلدين التي قد تضعف وحدة دول تجمع شنغهاي. كما أن العضوية الكاملة لباكستان وإيران من وجهة نظر روسيا، قد تقوي دور الصين في التجمع لما يربط هذين البلدين من علاقات قوية مع الصين.
وكانت القيادتان الروسية والصينية في اجتماعهما في بكين خلال مارس 2006، قد اتفقتا على أنه لخدمة التعاون البناء لدول تجمع شنغهاي، من الأفضل إبقاء الهند وباكستان وإيران ومنغوليا كأعضاء مراقبين في المنظمة، وإبقاء أفغانستان كشريك فيها. وهذا الترتيب يعكس توافق المصالح الروسية الصينية.
كما أن البلدين يتطلعان للتعاون الاقتصادي الأوثق، من خلال إنشاء ممر للنقل التجاري بينهما عبر جمهورية كازاخستان. وكذلك أسوة بكل التجمعات التي انعقدت مؤخرا، يبحث تجمع شنغهاي في التعاون للتقليل من آثار الأزمة المالية العالمية على عملية التنمية في بلدانهم.
إن الدول المشاركة في تجمع دول شنغهاي سعت للمساهمة في جعل منطقتها الآسيوية تعيش بسلام وخالية من التوترات الإقليمية، ووضعت وثيقة تضمنت معايير العضوية في هذا التجمع، والإجراءات اللازمة للدول المراقبة التي ترغب في الحصول على العضوية الكاملة.
وتسعى هذه الدول حاليا لأن تقوي من تعاونها في التعامل مع الانكماش الاقتصادي، وتعزز التنسيق بشأن سياسات الاقتصاد الكلي، كما أنها تعارض الإجراءات الحمائية الاقتصادية في أي صورة لها، وتساهم في إصلاح النظام المالي الدولي، والدفع في اتجاه إنشاء آلية تعاون دولية تتفق مع العولمة، والسياسات المتعددة الأطراف.
وما تشكله مساهمة هذه الدول في حجم التجارة العالمية، يعطيها وزنا مهما على الصعيد الاقتصادي وعلى صعيد الطاقة عالميا.
كل ذلك يطرح بإلحاح مدى أهمية تعاون الدول العربية، خاصة في غرب آسيا، مع تجمع دول شنغهاي، وذلك على صعيدي الاقتصاد والطاقة، إلى جانب أهمية هذا التجمع للدول العربية، كونه يضم دول آسيا الوسطى الإسلامية التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي وأصبحت عمقا إسلاميا استراتيجيا للوطن العربي، ما يتطلب إعطاءها الاهتمام الكافي في إطار علاقات الدول العربية الخارجية.
وهنا يبرز السؤال عن مدى إمكانية مساهمة تجمع شنغهاي ضمن الأسرة الدولية، في معالجة القضايا الخلافية في غرب آسيا والمساهمة في إحلال السلام الدائم والعادل في منطقتنا؟ وهل من المفيد مشاركة دول عربية في أعمال هذا التجمع، ولو بشكل مراقب كما هو الحال في مشاركة الدول الأخرى المراقبة في تجمع شنغهاي؟
كاتب يمني