إلى انعطافة حادة، وصل الحوار الفلسطيني الذي تتوسط فيه وتشرف عليه القاهرة، منذ فبراير هذا العام. لقد حان وقت الاستحقاق، فإما التوقيع على الوثيقة التي أعدها الفريق الأمني المصري برئاسة الوزير عمر سليمان، وإما الامتناع عن ذلك، ليكون هذا الامتناع سبباً للإعلان عن فشل الجهود المصرية والدور المصري إزاء معالجة الانقسام الفلسطيني.

وإذا كان المصريون سيشعرون بالخذلان وربما بما هو أكثر من ذلك، مما سيؤدي إلى ردود فعل سلبية ومؤثرة على الفلسطينيين، فإن الحصار الفلسطيني من وراء هذا الفشل سيكون أشد مرارة، وأشد خطورة على مستقبلهم ومستقبل قضيتهم.

لم يكن ممكناً مواصلة تأجيل الحوار الفلسطيني، الذي تحول إلى مفاوضات ثنائية بين الحركتين الكبيرتين المتصارعتين فتح وحماس، فلكل طريق بداية ونهاية، خصوصاً وأن مآلات الحوار لا تتصل فقط باستحقاقات فلسطينية، وإنما أيضاً باستحقاقات إقليمية ودولية، وبآليات ومستقبل الجهود السلمية، وبمجمل الملفات المفتوحة في الإقليم، لا سيما الملف النووي الإيراني.

على الصعيد الفلسطيني، يبرز الاستحقاق الخاص بالانتخابات الرئاسية والتشريعية، حيث تنتهي دستورياً ولاية الرئيس محمود عباس، وأيضاً ولاية المجلس التشريعي الذي تحظى فيه حماس بالأغلبية، وذلك في الخامس والعشرين من يناير العام المقبل.

بلوغ هذا الاستحقاق يطرح الموقف من إجراء هذه الانتخابات، فإن كانت ستتم بناء على ما ورد في الورقة المصرية في الثامن والعشرين من يونيو العام المقبل، وهو أمر متفق عليه بين حماس وفتح، فإن شرعية الإجماع الوطني حول هذا الموعد ستتكفل بتمديد شرعية الرئيس والمجلس التشريعي إلى حين إجراء الانتخابات.

أما إذا لم تتوفر هذه الكفالة الوطنية، فمن الواضح أن الرئيس محمود عباس سيستند إلى قرار من المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي ينعقد مطلع هذا الأسبوع لكي يصدر مرسوماً بإجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، أي في الخامس والعشرين من يناير المقبل، رغم معارضة حركة حماس القوية لذلك.

هذا الاستحقاق يشكل عاملاً ضاغطاً على الوقت، كانت القاهرة قد أخذته بعين الاعتبار حين أرسلت الورقة إلى كل من حركتي فتح وحماس للتوقيع عليها، ليتبع ذلك إرسالها للتوقيع أو عدمه من قبل الفصائل الأحد عشر الأخرى المعنية بالحوار، وقبل الخامس والعشرين من الشهر الجاري، وبما يسمح للرئيس عباس بإصدار مرسوم بإجراء الانتخابات قبل ثلاثة أشهر من موعدها المحدد، في حال رفضت حماس التوقيع على الورقة.

وفيما وقعت فتح على الورقة في الموعد الذي حدده المصريون، فإن حركة حماس من جانبها رفضت وضع توقيع عليها ضمن المهلة المحددة، وأشارت إلى أن لديها ملاحظات لا بد من مناقشتها مع الأشقاء المصريين الذين رفضوا استقبال وفد من حركة حماس لهذا الغرض، بدعوى سفر الوزير عمر سليمان. لكن الناطق بلسان الخارجية المصرية حسام زكي، أوضح أن الأمر يتصل برفض أية حوارات أو تعديلات بشأن الورقة.

تقول حماس إن الورقة التي قدمها المصريون بالصياغة الأخيرة المعدة للتوقيع، تتضمن قضايا لم يتم الاتفاق عليها، ولا تتضمن قضايا أخرى تم الاتفاق عليها، فيما اعتبرها بعض المقربين من حماس على أنها وثيقة استسلام.

وفي الحقيقة، ومنذ وقت طويل، كان الفريق الأمني المصري قد أشار إلى أنه سيضطر في النهاية لصياغة ورقة تتضمن ما يتم الاتفاق عليه، وحلولاً للقضايا التي لا يتم الاتفاق عليها بين فتح وحماس من خلال الحوارات المطولة.

وباستعراض ما تقدمه الورقة، سواء مما تم الاتفاق عليه بين وفدي فتح وحماس، أو مما قدمه الفريق المصري من معالجات للقضايا غير المتفق عليها، يتضح أن الورقة تعكس مدى عمق الخلافات بين الطرفين، ومدى صعوبة تجاوز واقع الانقسام الذي تفاقم بصورة حثيثة وشاملة، قبل وخلال الحوار بين الأطراف.

الوثيقة لا تتضمن حلولاً جذرية لواقع الانقسام، وعلى الأرجح فإنها تضفي عليه قدراً من الشرعية، فلا حكومة واحدة بديلة عن الحكومتين، ولا برنامج سياسيا يعالج الافتراق الواضح بين الطرفين. ويبدو أن الفريق الأمني المصري آثر التوصل إلى حلول وسطية، كمرحلة انتقالية بين واقع الانقسام على الأرض، وحالة التوحيد المأمولة.

مما يقتضي تجنب الاصطدام بالوقائع العنيدة على الأرض، فضلاً عن أن هذه الآلية قد تنجح في تجنب الرفض الأميركي والدولي لوضع تصر الولايات المتحدة على أن يتم وفق شروط الرباعية الدولية.

والمؤسف أن الأطراف الفلسطينية المتصارعة ظلت تتبادل الاتهامات الصعبة، ليس فقط بعد أن تم تأجيل مناقشة تقرير غولدستون، وإنما بعد التصويت على التقرير، مما يشير إلى عمق أزمة الثقة، وفي الأساس إلى تباعد الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي الانقسام.

هكذا تبدو الخيارات والسيناريوهات اللاحقة أشد صعوبة، وربما تسير في اتجاه المزيد من التصعيد والتوتر في الساحة الفلسطينية. فلقد أدى توقيع حركة فتح بسرعة على الوثيقة المصرية، رغم ما لديها من تحفظات عليها، إلى حشر حركة حماس وإلقاء الكرة في مرماها، فإن رفضت القاهرة فتح الورقة للتعديلات التي تطلبها حماس، كان عليها أن تفتحها من جديد لتعديلات فتحاوية، وإن أغلقتها، وهذا ما وقع، فستجد حماس نفسها في مأزق.

وبغض النظر عما سترسو عليه الأمور بالنسبة للتوقيع على الورقة المصرية، فإن التوقيع عليها بدون تعديلات من قبل حماس أسوة بفتح، ينطوي على غياب القناعات، الأمر الذي سيجعل أي اتفاق معرضا للانتكاس والفشل في مرحلة التنفيذ. أما إذا لم يتم التوقيع على الورقة، فخيار الانتخابات في يناير سيكون صعباً ونحو مزيد من الصراع والانقسام، هذا فضلاً عن أن على الطرف المسؤول من وجهة نظر مصر عن الإفشال، أن يتحسب من ردود فعل قوية ومؤثرة.

وفي كل الأحوال فإن الوضع الفلسطيني يزداد صعوبة، فعدا عن تدهور وتوتر أوضاعهم الداخلية، وانقساماتهم وصراعاتهم، وما يعكسه ذلك من انقسامات عربية يشكل الانقسام الفلسطيني أحد روافدها.. تقول عدا عن ذلك، فإن التحديات الإسرائيلية تزداد خطورة على مختلف المستويات، وليس أدل على ذلك مما يجري من تهويد متسارع ومكثف في القدس، ومن استيطان ينهش الأرض.

إن تعنت الفلسطينيين حول انقسامهم، يوفر لإسرائيل مبرراً إضافياً لمواصلة تعنتها في مواجهة الجهود الدولية الرامية لإحياء عملية السلام، وفي الأخير فإن كل الفرق الفلسطينية خاسرة.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com