منذ أن شغل أحمد داوود أوغلو، أحد أبرز مستشاري رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، منصب وزير الخارجية التركية في الأول من مايو المنصرم، بدأت السياسة الخارجية التركية تتخذ منحى جديداً جديراً بالتمعن. فالوزير الجديد لديه رؤية خاصة في توسيع الدور التركي وتحقيق اختراقات مهمة في اتجاهين: الأول في اتجاه الشرق الأوسط، والثاني في اتجاه أوروبا. وهو في ذلك يوظف ما لدى تركيا من رصيد لم توظفه الإدارات التركية السابقة.

فعلى مستوى المحور الشرق أوسطي، هناك العلاقات التاريخية مع دول المنطقة والمشتركات الفكرية والثقافية مع شعوبها، وعلى المحور الأوروبي هناك الصلات القوية التي بنتها تركيا مع الغرب على مدى قرن كامل، مما يؤهلها لأن تصبح البوابة الرئيسية بين أوروبا والشرق الأوسط، ليس جغرافياً فحسب، وإنما اقتصادياً وثقافياً كذلك. ولا شك أن لكتابه الشهير الموسوم «العمق الاستراتيجي» تأثيراً لا يمكن تجاهله في إعادة هيكلة السياسة الخارجية التركية.

التوجه التركي الجديد يعكس رؤية سياسية جديدة وليس تكتيكات طارئة، رؤية فيها قدر كبير من الطموح يتناسب مع الحجم الذي يمكن أن تشغله تركيا كجسر بين الشرق والغرب. فالسياسات التركية التي استندت على القطيعة مع الماضي والتقرب إلى الغرب، وهو الخط السياسي الذي وضعه مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال وضمن ديمومته عن طريق حماية المؤسسة العسكرية القوية له، لم تسمح لتركيا سوى بالقيام بدور محدود لا يتناسب مع حجمها.

البدء بتنفيذ الاستراتيجية الجديدة، في هذه المرحلة، ليس عفوياً، فحزب العدالة والتنمية الحاكم لم يصل حديثاً إلى موقع السلطة، كما لم يشهد تغيراً أو انقلاباً في قيادته، ولكن الجديد في الأمر هو بوادر التغير في بعض التوازنات الدولية في الشرق الأوسط التي حملها الرئيس الأمريكي أوباما في أجندته، خاصة ما يتعلق منها بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

قضيتان رئيسيتان تؤرقان تركيا: أولاهما إعاقة نشاط حزب العمال الكردستاني التركي المعادي، وهي قضية داخلية مزمنة لها بعض الامتدادات مع دول الجوار، وثانيتهما الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، وهي قضية خارجية محضة. إلا أن الاستراتيجية التركية الجديدة لا تكتفي بمقاربة هاتين القضيتين عن طريق تحقيق ما تصبو إليه تركيا والاكتفاء بإغلاق الملفات الخاصة بهما، بل تتجاوز ذلك كي تجعل من تركيا لاعباً أساسياً في التقارب بين أوروبا والشرق الأوسط.

في القضية الأولى، أربعة مواقف برز فيها التوجه التركي الجديد في مقاربة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. الأول، في شجب العدوان الإسرائيلي على غزة وإدانة الجرائم التي ارتكبت هناك، والثاني في انسحاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من منتدى دافوس بعد مشادة كلامية مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، والثالث في الكلمة التي ألقاها أردوغان مؤخراً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي خرق فيها إحدى المحرمات في العلاقات الدولية، حين طالب المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل للكشف عن برنامجها النووي، مقارباً بموقفه هذا الملف النووي الإيراني مقاربة الصديق، في الوقت الذي شدد فيه على أهمية أن يصبح الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي.

أما الرابع فكان في إلغاء المناورات المشتركة التي كان من المقرر إجراؤها بين قوات تركية وأخرى إسرائيلية، على خلفية ما اقترفته إسرائيل في غزة من جرائم. ويأتي التغير في الموقف التركي متناغماً ومتزامناً مع ظهور بوادر تغير في المناخ الدولي، يُخرج إسرائيل من دائرة الحصانة والمعصومية.

والحقيقة أن هذا الموقف الموضوعي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، قد أغضب إسرائيل التي طالما نظرت إلى تركيا نظرة اطمئنان تام، إلا أنه حقق لتركيا مكاسب عديدة، فقد اقتربت في اتخاذه كثيراً من جيرانها حيث يقبع أمنها الوطني.

فعلى مستوى الجبهة الداخلية، فإنه إضافة إلى حاجة تركيا للقيام بإصلاحات تضعف ما يتمتع به حزب العمال الكردستاني من تعاطف، فهي بحاجة أيضاً إلى تجفيف القنوات التي ترفد هذا الحزب، وإغلاق البوابات التي قد يتسلل منه عبر سوريا والعراق وإيران.

حيث يجد مقاتلو هذا الحزب مكاناً وتعاطفاً هنا أو هناك. لذلك تعتبر النقلة الكبيرة في تحسين العلاقات مع سوريا تصب في هذا المجال. كما أن الانفتاح على العراق الذي تُوج بتوقيع أردوغان، في زيارته الأخيرة إلى بغداد، على عشرات الاتفاقيات مع رئيس الوزراء العراقي، يصب هو الآخر في الاتجاه نفسه، خاصة وأن في العراق أهم وأكثر قواعد حزب العمال الكردستاني.

أما في القضية الثانية، فقد واجهت تركيا صعوبات جمة للدخول إلى الاتحاد الأوروبي على مدى السنوات الطويلة الماضية، إلا أن ذلك لم يثبط من عزيمتها، فهي ترى أن مصالحها الاستراتيجية على الأمد البعيد تكمن في الانتماء إلى هذا الاتحاد. أبرز العقبات التي تواجهها هي تخوف عدد من دول الاتحاد من انتمائها، لأنها ستكون الدولة الأكبر من حيث المساحة ومن حيث الكثافة السكانية، مما قد يرهق كاهل دول الرفاه في الاتحاد (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا) التي عانت من انتماء دول أقل تقدماً في الماضي، وهي اليونان وإسبانيا والبرتغال.

هذا إضافة إلى الضغوط التي تتعرض لها من دول الاتحاد التي تطالبها بالتصالح مع تاريخها ،وتدعوها إلى إعادة النظر في أحداث الماضي وتقديم الاعتذار للأرمن عن المجازر التي تتهم بارتكابها في حقبة آخر سلاطين آل عثمان عام 1894، ثم في حقبة حكومة تركيا الفتاة عامي 1915، 1916. وقد يكون انتماؤها إلى ثقافة مختلفة عن ثقافة الدول الأعضاء في الاتحاد سببا آخر غير معلن في إعاقة الانتماء.

قد يفسر البعض التغير الكبير في السياسة الخارجية التركية بأنه رغبة في الابتعاد عن الغرب وتخل عن الطموحات في الانتماء إليه، إلا أن ذلك ليس في خطط الحكومة التركية. الصحيح في سياق ما يجري، هو أن تركيا تقترب في سياستها الجديدة من الاتحاد الأوروبي، حين تعرض أهمية دورها في الشرق الأوسط المجاور لأوروبا، من جهة، وحين تبدي جديتها في التعامل مع الشروط الأوروبية، من جهة أخرى. ففي العاشر من أكتوبر الجاري وقعت تركيا وأرمينيا، في مدينة زيورخ السويسرية، اتفاقا تاريخيا لتطبيع العلاقات بين البلدين، بحضور عدد من وزراء خارجية الدول الأوروبية، منهيتين بذلك قرناً من الجفاء والخلاف.

السياسة التركية الجديدة لم ترسمها ردود أفعال لهذا الحدث أو ذاك، وإنما رسمتها مصالح تركيا الاستراتيجية، وهي تخدم تركيا في مقاربة القضيتين اللتين أشرنا إليهما، وتعمل على ترقية العلاقات التي تربطها مع الولايات المتحدة إلى مستوى أرفع.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae