هل السعادة مفهوم حقيقي أم وهمي؟ هل هي موجودة بالفعل؟ من هو الشخص الذي نستطيع أن نصفه بأنه سعيد، في مقابل عدد كبير ومتزايد من الناس المحيطين بنا الذين نستطيع أن نصفهم ـ دون أن نتجنى عليهم إطلاقاً ـ بأنهم تعساء؟! وهل يمكن الوصول إلى السعادة؟ وهل هي حالة من الممكن أن تمتد زمنياً، أم أنها لحظة أما أن نغتنمها في حينها، أو تمضي ونبقى على انتظار عودتها غير المعلومة؟
يقولون إن مفاتيح السعادة في أيدينا.. لستُ متأكدة كثيراً من ذلك، لكني أذكر أنني ـ في صغري ـ كنتُ أحكم على أحد أفراد عائلتي بأنه غير سعيد في حياته، وأذكر جيداً أنني كنت أردد بيني وبين نفسي عبارات مثل «هو الذي يجلب الشقاء لنفسه»، أو «إنه يبحث عن التعاسة ويفتّش عنها تفتيشاً»، وغيرها من العبارات التي تشير تصريحاً أو تلميحاً إلى قناعة ضمنية بأن الإنسان هو الذي يتسبب لنفسه بالسعادة أو التعاسة، أو على الأقل يمتلك القدرة على أن يعيش لحظات سعيدة، أو غير سعيدة، باختياره الشخصي.
لم يكن ذلك في الماضي فقط، فقد أردد مثل هذه العبارات الآن أيضاً، بين حين وآخر، سواء عن ذلك الشخص نفسه، أو عن غيره. لكني الآن أتساءل أيضاً: إلا يمكن أن تتدخل عوامل أخرى خارجة عن إرادة الشخص نفسه، تفرض عليه أن يعيش سعيداً أو تعيساً؟ أليس كل واحد منا محكوماً بظروف تضطره لأن يكون كيفما شاءت له هذه الظروف أن يكون، لا كما يشاء هو أن يكون؟
ألسنا نعيش في منظومة بشرية معينة، تحكمنا وتسيّر جزءاً كبيراً من تفاصيل حياتنا، وهذه التفاصيل هي لحظاتنا وساعاتنا وأيامنا، هي حياتنا وعمرنا الذي يسير ونحن نسير معه، نقطعه بسعادة أو بتعاسة أو بمزيج منهما، وأحياناً لا نستطيع أن نحدد حقيقة مشاعرنا لكثرة ما تلتبس علينا وتضطرب أمام أعيننا، فتمضي بنا الحياة، لكننا لا نعرف كيف تمضي!
كيف يمكن أن نوفق بين هذا الكلام وما بدأت به هذه المقالة من ادعاء أن سعادة كل إنسان بيديه، وهو ما وجدت أنني أتمثله بقناعة خفية في بعض الأحيان!
لا شك أن «الظروف» محيطة بالجميع، وهي إن اختلفت من إنسان لآخر إلا أنها لا تأتي لكل شخص بحسب ما يريده ويتمناه، أي أن كل الناس مشتركون في فكرة وجود ما يعكر عليهم أجواءهم، ولكل واحد منا أمور مفروضة عليه، أيّاً تكن الجهة أو السلطة التي تفرض هذه الأمور، لا يهم كثيراً ذلك الآن.
وقد أعود إليه في موضع آخر من هذه المقالة، إلا أن الفكرة الأساسية الآن هي أن كل واحد منا قد تُفرض عليه أمور معينة لا يرغب فيها حقيقة، إلا أنه مضطر للاستجابة لها، أو للتفاعل معها، أو لتقبلها على الأقل، ولا يمتلك القدرة على رفضها، أو عدم الدخول في مواجهات صريحة معها.
كيف يستطيع أي منا تجاوز هذا الأمر المفروض عليه فرضاً؟ وكيف يمكنه التحرر من قيوده؟ وهل هو مطالب بتجاوزها أو بالتحرر منها؟ أو هل هو مضطر لتغييرها أو لمحاولة تسييرها وفق رغباته؟ إن لم يفعل، هل سيشعر أنه يعيش حياته، أو أنه يعيش حياة مفروضة عليه؟ وحينها، هل سيشعر بلذة لهذه الحياة، وهل سيكون سعيداً، أو تعيساً؟
بعد عمر ليس طويلاً كثيراً، ولا قصيراً كثيراً، وجدتُ أنني أفكر بطريقة تجعلني أبدو في نظر نفسي مشابهة لتلك الشخصية التي كنتُ أحكم عليها أحكاماً فيها شيء من القسوة، وحين نكون نحن مصدر القسوة على أنفسنا يكون الإحساس بها أقوى منه عندما تأتي من مصادر أخرى.. لقد لاحظتُ نفسي عدة مرات ووجدتُ أنني «أجلب الشقاء لنفسي»، وأحياناً «أبحث عن التعاسة، وأفتّش عنها تفتيشاً»، وربما فعلت ما هو أكثر من ذلك، مع أنني أتقن العيش بسعادة في أوقات أخرى.
وأجيد نقل الإحساس بالسعادة لمن هم حولي، وكثيراً ما أُسأل عن سر سعادتي، فأجيب عن ذلك مازحة ـ في جواب لا يخلو من نسبة بسيطة من قناعة ـ بأن «السر في الشوكولا»، معتمدة في ذلك على دراسة علمية قرأتها منذ زمن طويل.
وربما جاءت بعدها دراسات أخرى أثبتت عكسها كعادة مثل هذا النوع من الدراسات، إلا أنني بقيت متمسكة بما قرأته في تلك الدراسة لأنها وافقت ميلا في نفسي.. تزعم تلك الدراسة أن أكل الشوكولا يؤثر تأثيراً إيجابياً على النفسية، ويرفع المعنويات، وينعش الروح، وقد وافقت هذه المعلومة هوى في نفسي المحبة للشوكولا أساسا، فوقعت في شرك الإدمان، وألقيت عليها مسؤولية إسعادي، وبعث السرور في نفسي.
قد تتدخل الظروف وتحرك مؤشر السعادة في نفوسنا.. تحرفه عن المسار الذي اعتاد السير عليه، أو عن الجهة التي ألف الانحراف نحوها، فماذا نستطيع أن نفعل حينها؟ وكيف يمكننا أن نواجه ظروفاً أقوى منا تضطرنا لأن نكون غير أنفسنا؟ وكيف يمكن أن نبقى نحن.. «نحن».. في مقابل ما هو أقوى منا، ليس لأننا ضعفاء، ولكن لأننا ضحايا مواقع محددة سلفاً، لن تجدي كثيراً محاولاتنا لتغييرها أو إعادة تحديدها وفق متغيرات أوضح من الشمس في كبد السماء.
بعد كل هذا، هل السعادة موجودة في دواخلنا، وما علينا سوى التنقيب عنها واستخراجها؟ أم أنها تقع في مكان ما خارج حدود ذواتنا، وعلينا البحث عنها وإيجادها؟ وهل يمكن أن يعرف كل واحد منا الطريق ـ أو الطرق ـ المؤدية لسعادته، أم أن عليه أن يمضي في هذه الحياة، ويجرب حظه فيها، ويدرك أثناء ذلك واقعه، ويصنف حينها نفسه، إن كان من السعداء أو من التعساء؟!
جامعة الإمارات