هل تحولت المناشط الثقافية والفنية إلى واجهات إعلامية للمؤسسات، أم تحصيل حاصل وتراكم كمي يتجاوز النوعي ويتجاوز التنمية الداخلية؟

سؤالان لن يرضى عنهما أصحاب المؤسسات مطلقاً، لبس مواراة للحقائق ولا من أجل المواربة، ولكن لأن النوايا طيبة، ولأنها طيبة فإنها لا تقبل بأقل من مقابلتها بالطيب. لكن في النهاية لابد من القول، ولابد من بحث عن الحقائق، ولابد من الحرص على المصلحة الوطنية، تماماً كما نبحث عنها في كل شيء.

هو ليس اتهاماً للمؤسسات، بقدر ما هو تساؤل تشي به الظواهر ويشي به واقع الحال، هي الأنشطة نفسها تطرح الأسئلة ذاتها، فنحن اليوم والحمد لله ننظم فعاليات دولية وإقليمية ضخمة تتعلق بالثقافي والفني ومجالات الإبداع الإنساني، وكل فعالية تبحث عن العنصر المحلي، تبحث عن الأسماء اللامعة والرنانة ولا تجدها، تتجه لمسؤول النشاط أو الفعالية تسأله عن أسماء بعينها يفترض أنها معنية بهذا النشاط، والنشاط معني بها بالضرورة أيضاً، ويجيبك المسؤول بالقول: فعلنا كل ما في وسعنا، وجهنا دعوات، أرسلنا فاكسات، نشرنا إعلانات في الصحف وفي الشوارع، فماذا يجب أن نفعل أكثر من ذلك؟.

عند هذا الحد يخلي المسؤول الذي يمثل الجهة الثقافية مسؤوليته، يمضي النشاط، أو الملتقى أو الفعالية، التي قد تكون دولية، وقد تكون على المستوى الإقليمي، وقد تكون محلية، بفعالياته، دون حضور المطلوبين للحضور ودون مشاركة فاعلة، ودون تحقق أهم أهداف هذه الفعالية التي ربما تكلفت الشيء الفلاني من مئات الآلاف، يأتي الضيوف ويذهب الضيوف، لا يحدث تلاق ولا تثاقف، لا يعرف هؤلاء هؤلاء، ولا حوار مشتركاً، ولا آراء بلورتها تلك الشراكة.

ينفض السامر وكأن كل شيء تبخر في لمح البصر. جاء المنتدون من أقاصي العالم، وكأنهم جاؤوا ليتلقوا وحدهم، وذهبوا.. لا هم سمعوا لأهل البلاد، ولا نخبته التي يفترض أنها ترتبط في الهواجس الإبداعية نفسها. ينفض السامر، ولا مردود إلا ذلك الصدى الإعلامي وبقايا فلاشات الكاميرات وأضواء القنوات الفضائية.. وأرشيف من ذكريات ووريقات تركها الذين جاؤوا وغادروا. بهذا لا تنتج مثل هذه الملتقيات تلاقحات مفروضة ومطلوبة بين الثقافة والمثقف المحلي وبين ما أتى به الآخرون، ولا تأخذ تلك الفعالية بعدها وعمقها في التنمية الفكرية والإبداعية.. وكأنه لقاء غرباء، وبالصدفة.

على الطرف الآخر.. تقابل فلاناً، هذا المثقف والمبدع النوعي، صاحب الصيت والباع، تسأله: لم تتواجد هناك، يجيب: لم أتلق دعوة، أو آخر تسمع منه: ذهبت وشعرت أنني وحيد ومنعزل، لم يلتفت إليّ أحد فعدت أدراجي وسحبت نفسي بهدوء، وتسمع ثالثاً يقول: ذهبت ولا أعرف لماذا ذهبت، وكأنهم يريدون منا أن نتواجد لمجرد الوجود.. نحن لسنا تحفاً للعرض!.

مسألة شائكة بين مثقفينا ومبدعينا وبين تلك الفعاليات الضخمة التي ننظمها، والتي يقل نظيرها في البلدان من حولنا لحجمها وأناقتها وهيلمانها.. مسألة لم تنعقد فيها العقدة صحيحاً إلا نادراً!.

mhalyan@albayan.ae