في عام 1995 وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية مع وكالة الطاقة الدولية. ربما وقتها لم يدرك الكثيرون أهمية المبادرة بالنسبة لدولة يعتمد اقتصادها وحياتها ومستقبلها على ما تبقى من مخزون النفط، تحت باطن مساحة حدودها الإقليمية البرية والبحرية. غير أن التوقيع على المعاهدة قبل أكثر من 14 عاما، كان هدفه التمهيد لخطوات تذهب لأبعد من مجرد روتين دبلوماسي. فالكل يعرف أن دولة الإمارات تخطت منذ الثمانينات تقريبا دوائر اللاجدوى، ومعاهدات واتفاقيات الحبر على الورق التي تعودنا على سماعها.

فمسألة الطاقة مسألة لا تحتمل التأجيل، والعالم أصبح يتنافس بكل ما لديه من قوة للحصول على هذا المصدر البديل، الذي لا مفر منه رغم مهاوله وعظمته وخطورته.

ولهذا السبب نستطيع أن نطلق على عام 2009، عام الخطوة الثانية والأكثر أهمية لدولة الإمارات العربية المتحدة في هذا المجال. وحيث إن الموضوع أصبح جديا، فقد قامت الدولة بتأسيس الهيئة الاتحادية للرقابة النووية. فاستخدام الطاقة النووية له مخاطره ونتائجه، وبالتالي لا بد من مراقبة خاصة ومتخصصة على مستوى عال. لكن يا ترى من هي تلك الجهة التي ستقوم بتنفيذ المشروع؟

هناك عدة خيارات مطروحة أمام المسؤولين: الولايات المتحدة الأميركية، فرنسا، روسيا؟ بالطبع فإن الولايات المتحدة تعتبر أكثر هذه الدول تقدما في مجال الطاقة النووية، ولكي تضمن الإمارات تحقيق هذا المشروع الحيوي، فلا بد من الدعم السياسي أولا والتقني ثانيا من الولايات المتحدة الاميركية، رغم نظرة الحسد التي قد تبدو ظاهرة على وجوه الدول المتنافسة الأخرى.

ونظرة الحسد والحقد هذه مردها إلى الرقم الخيالي للصفقة التي قد تتجاوز ال40 مليار دولار، في وقت يعاني فيه العالم من أكبر أزمة مالية واقتصادية منذ القرن الماضي والذي سبقه. والسؤال المستعجل: كم من الوقت علينا الانتظار للحصول أخيرا على الطاقة من مفاعلاتنا النووية؟ ليس بأطول من الوقت الذي انتظرناه منذ توقيعنا على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية قبل 14 عاما؛ وربما بعد 8 سنوات من يومنا هذا سنقطف ثمرة هذه الخطوة الأولى، وإن لم يقدر أن تكون لنا، فلأبنائنا ومستقبلهم.

الكثيرون طرحوا أسئلة لا هدف من ورائها سوى إثارة الشكوك والبلبلة في الأجواء العكرة والمتوترة، التي تهيمن على العالم منذ إعلان بدء شن الحرب على الإرهاب، نتيجة العمليات الانتحارية التي استهدفت برجي التجارة في نيويورك. والبعض أراد أن يذهب لأبعد من ذلك، من خلال تصورات وتحليلات لا أساس لها من الصحة، زاعما أن هذه البرامج النووية مدعومة من الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية (التي تريد أن تردع مخططات إيران في المنطقة) وفرنسا (التي تخطط منذ زمن أن يكون لها موضع قدم في بحار النفط الخليجية)، وكلها تحت ذريعة خلق نوع من التوازن مع البرنامج النووي الإيراني.

وهذا ما فنده المندوب الدائم لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، باعتبار أن البرنامج النووي الإماراتي برنامج سلمي بحت لإنتاج الطاقة، خاصة وأن إيران بلد جار تربطنا معه علاقات تجارية واقتصادية وجغرافية وتاريخية، بل وثقافية طويلة، ولا تنوي دولة الإمارات خلق أي نوع من التوتر معها، ولا مع أي دولة أخرى في القريب أو البعيد.

إن الهدف الأساسي الذي لا محيد عنه لدولة الإمارات في هذا المشروع، هو الاعتماد على مصادر طاقة متنوعة، إضافة إلى أن استخدام الوقود النووي أصبح الشغل الشاغل للعالم في البحث عن مصادر طاقة لا تضر بالبيئة.

إن اهتمام دولة الإمارات وعلى رأسها إمارة أبوظبي العاصمة، بموضوع البيئة النظيفة أو الخالية من التلوث، مكنها من الفوز بالمقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) على أراضيها. ولا تفوتنا الإشارة إلى مشروع «مصدر» أول مدينة في العالم بلا انبعاثات كربونية، معتمدة في ذلك على الطاقة المتجددة بشكل تام، وبتكلفة تبلغ 22 مليار دولار، ويستغرق تنفيذه ثمانية أعوام.

لقد أدركت الدولة مدى خطورة التلوث على بيئتها وسكانها. وما تحركت دولة الإمارات إلا بعد أن شعرت بخطورة الوضع البيئي، وتصنيفها ثالث دولة على مستوى العالم بعد قطر والكويت في ما يتعلق بانبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري. فحسب ما ذكره برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة، بلغ هذا التلوث ما حجمه 1, 34 طنا لكل فرد عام 2004، بينما لا تتجاوز النسبة في الولايات المتحدة الأميركية عن 20, 6 أطنان للفرد! رقم مهول، ولا بد من حل جذري وسريع.

إن دولة الإمارات تقود بهذه الخطوات المتلاحقة، طموحات دول العالم النامي الأخرى التي تعاني من نفس الداء، من أجل حل مشاكلها البيئية قبل فوات الأوان، وقبل أن يصبح كوكب الأرض خاليا من الشجر والبشر والماء...

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com