عرفت الأشهر الأخيرة عدّة مبادرات سياسية ترمي إلى حل المسألة الكردية في تركيا، مما أثار الكثير من النقاشات والتعليقات. من المعروف أن هذه المسألة تسمم الحياة السياسية التركيّة منذ سنوات طويلة، وخاصة منذ تاريخ 15 أغسطس/ آب عام 1984 عندما قام حزب العمال الكردستاني بعملياته المسلّحة الأولى.

ومنذ ذلك التاريخ يُقدّر عدد ضحايا هذا النزاع بحوالي 44000 ضحيّة، وحزب العمّال الكردستاني ـ الذي تصفه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنه إرهابي ـ يتابع معركته، رغم فترات متقطّعة لوقف إطلاق النار. ضمن مثل هذا السياق ينبغي قياس مدى التحدّي الذي يبدو أن الحكومة التركيّة قررت أن تواجهه.

وفي نهاية شهر يوليو الماضي بدأت الصحافة التركية برسم الخطوط العريضة لما يمكن أن يشكّل خطّة لحل المسألة الكردية يتركّز حول ثلاثة محاور. أوّلا، على المستوى الاقتصادي يجري الحديث عن استثمارات ضخمة في منطقة جنوب ـ غرب البلاد، لرفع مستوى المعيشة والشروع بمكافحة البطالة التي تعاني منها تلك المنطقة التي تقطنها أغلبية من الأكراد.

وعلى المستوى السياسي، جرى تعديل المادّة 66 من الدستور التي تبدو ذات طبيعة إثنية للجنسية في تركيا؛ والتأكيد الشديد على مرجعيّة السمة التوحيدية للدولة، والقول بإمكانية الاستخدام المنظّم للهجات التركية في قطاع التعليم، واحتمال العفو عن مناضلي حزب العمال الكردستاني. وأخيرا على المستوى العسكري يتمّ الحديث عن حذف نظام «حراس القرى» ـ هؤلاء يمثّلون ميليشيات خاصّة تعتمد على بعض القبائل الكردية التي سلّحتها الدولة بغية مكافحة حزب العمال الكردستاني ـ وسحب القوّات الخاصّة من رجال الشرطة المتواجدة في المنطقة الجنوبية الشرقيّة.

وفي مطلع شهر أغسطس/ آب الماضي استقبل رجب طيّب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، احمد تورك المسؤول الرئيسي في حزب المجتمع الديمقراطي، وهو حزب كردي معروف بقربه من حزب العمال الكردستاني وله 21 نائبا في البرلمان. وهذا اللقاء يكتسي في الواقع أهمية رمزية كبيرة، ذلك أن أردوغان كان يرفض حتى آنذاك استقبال المسؤول الحزبي الكردي، طالما أنه لا يدين صراحة حزب العمال الكردستاني كمنظّمة إرهابية.

لكن لا ينبغي أن يخفي هذا الانفتاح الحقيقي صعوبة تسوية الملف. فالأمر يتعلّق أوّلا بمسألة مكان حزب العمال الكردستاني ومآل قائده الأساسي المحكوم بالسجن مدى الحياة عبد الله أوجلان. والمسألة الثانية تتعلّق بسؤال ما إذا كان على الدولة التركيّة أن تقبل أم لا، حضور مسؤولين من حزب العمال الكردستاني حول طاولة المفاوضات المفترضة؟

المسألة حسّاسة، إذ من الصعب والمؤلم الشروع في مفاوضات مع حزب يمارس العنف منذ 25 سنة، وفي نفس الوقت كيف يمكن تصوّر تجاهل هذه القوّة المركزية تماما؟ إن «التكتيك» الذي تتبنّاه الحكومة قد يكون بقبول صيغة تمثيل لهذا الحزب، وبحثها في الوقت ذاته عن تهميشه بحيث لا يبدو كأنه الممثل الوحيد للقضيّة الكردية. وبهذا التوجّه ينبغي فهم لقاء أردوغان مع احمد تورك.

والتحدّي الآخر أمام رئيس الوزراء التركي، هو الوصول إلى خلق دينامية سياسية تشارك فيها الأحزاب السياسية الرئيسية، من أجل تأمين أكبر الضمانات للنجاح. وتنبغي ملاحظة أنه لم يتوصّل إلى ذلك حتى الآن. إن حزبي المعارضة الرئيسيين، أي حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي المتشدد والذي يؤكّد على السيادة، وحزب العمل القومي المتطرّف، كان لهما ردّ فعل سلبي جدا حيال مبادرات وتصريحات رئيس الوزراء، واتهموه بأنه يلعب لعبة الإرهاب ويخون المصالح الوطنية.

ولابدّ أيضا من طرح مسألة ردود أفعال المؤسسة العسكرية. فإذا كان صمتها في الوهلة الأولى قد جرت ترجمته كقبول ملموس بالمسار الذي شرع فيه أردوغان، فإنّ بيانا أصدره قائد أركان الجيش في نهاية شهر أغسطس الماضي على موقع الانترنت التابع للجيش بدا كتحذير حقيقي. لقد جرى التأكيد فيه على بعض مبادئ الجمهورية التركية التي لا يمكن المساس بها، وفي مقدّمتها رفض التفاوض مع حزب العمال الكردستاني، ورفض الاعتراف بأية هوية كردية. وهكذا قلّص الجيش كثيرا من هامش مناورة رئيس الوزراء. وقد أظهر استطلاع حديث للرأي أن 43% من الأتراك يؤيدون مبادراته، بينما يعارضها 39%.

الحكومة تجد نفسها اليوم إذن، مرغمة على إعادة العمل على اقتراحاتها من أجل النجاح في تمريرها. لم يتم حتى الآن حسم أي شيء، لكن تركيا بالتأكيد أمام فرصة تاريخية.

المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr