في تظاهرة احتفالية كبيرة، احتفل الأتراك الأسبوع الماضي مع جيرانهم السوريين بتدشين مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية بين الطرفين، تمثلت في الواقع في عدة مظاهر، وإن جاء قرار إلغاء تأشيرات الدخول بين الحدود ليضفي عامل الفرحة الشعبية على مستوى هذه العلاقة التي تتطور يوماً بعد يوم.
وقد جاء قرار إلغاء سمات الدخول هذا في سياق تعاون استراتيجي عالي المستوى كانت قد بدأته أنقرة ودمشق منذ فترة طويلة، وقد توج الأسبوع الماضي بإنشاء مجلس تعاون استراتيجي بين البلدين، والتوقيع على العديد من الاتفاقيات الثنائية في مختلف المجالات. هذا التقارب في العلاقة بين تركيا وسوريا، له مبرراته ومغزاه لدى الطرفين اللذين وجدا في مثل هذا التقارب مصلحة لكل منهما.
فعلى الجانب التركي يمكن أن نلحظ أن هذا التطور في العلاقة التركية مع سوريا، يأتي في سياق التقارب مع دول أخرى مجاورة في المنطقة، كإيران التي كانت أنقرة المرشحة الأولى، قبل اختيار جنيف بعد ذلك، للاجتماع الأول الذي ضم الدول الست الكبرى مع إيران لمناقشة برنامجها النووي في الأول من هذا الشهر.
وكذلك مع العراق التي سعت الحكومة التركية إلى التوسط بينها وبين سوريا في ملف الاعتداءات الإرهابية التي تأتي من الخارج ضد مصالح داخل العراق. هذا الحراك التركي يأتي في سياق فهم جديد لدى الحكومة التركية، بضرورة أن تلعب تركيا دوراً أكبر في شؤون منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي فإن هذه الخطوة التركية نحو سوريا وتوثيق علاقتها بها، إنما تأتي في سياق الرغبة التركية في أن تكون لاعباً إقليمياً هاماً وغير مستثنى من قضايا المنطقة.
وتعد فرص تركيا في لعب هذا الدور أفضل عن غيرها، فمن بين اللاعبين الإقليميين الثلاثة الرئيسيين في منطقة الشرق الأوسط، تبرز تركيا بأنها الدولة الأكثر حيادية بين جميع الأطراف والأكثر قرباً وسلماً مع العالم العربي. ففي الوقت الذي تمثل فيه إسرائيل طرفا غير مرغوب فيه إقليمياً وإيران طرف غير موثوق فيه، وفي ظل غياب طرف عربي يمكن أن يكون لاعباً إقليمياً في المنطقة، فإن تركيا تحاول أن تبرز نفسها كلاعب يمكن أن يكون مرغوباً وموثوقاً فيه أكثر من غيره في المنطقة.
هذا التوجه التركي نحو منطقة الشرق الأوسط لم يكن وليد اللحظة، وإنما جاء أساساً مع توجه حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، الذي أراد أن يجعل تركيا جزءاً من العالم الإسلامي ولاعباً أساسياً في منظومة منطقة الشرق الأوسط. وقد تعزز هذا التوجه أكثر مع تولي الدكتور أحمد داوود أوغلو قبل عام، مهمة وزارة الخارجية والتي بدأ من خلالها هذا السياسي الدبلوماسي يعكس فكره الذي طالما آمن به كأكاديمي سياسي، وهو الفكر القائم على أهمية البعد الشرق أوسطي في السياسة الخارجية التركية.
في هذا السياق يأتي مغزى التحرك التركي نحو سوريا، والذي في الواقع يحمل معه مجموعة من الرسائل الاستراتيجية الموجهة إلى مجموعة فاعلة من الأطراف الدوليين، منها على سبيل المثال: رسالة إلى الدول العربية بأن تركيا متبنية للقضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية وقضية السلام العادل، وأنها لن تتخلى في يوم من الأيام عن هذا المبدأ، والدليل وقوفها مع الفلسطينيين ضد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة. أما الرسالة الأخرى فهي موجهة إلى إسرائيل، ومفادها أن تركيا طرف إقليمي مهم لا يمكن أن يستهان به في منطقة الشرق الأوسط، وذلك بما تملكه من أوراق ضغط مهمة.
ورسالة إلى الولايات المتحدة بأن الطريق نحو سوريا يمكن أن يأتي عبر تركيا التي تتمتع معها بعلاقات قوية. ورسالة أخرى كذلك إلى أوروبا بأن تركيا لاعب هام في منطقة الشرق الأوسط، ويمكن أن تكون يد أوروبا في المنطقة لو شاءت أن تقبلها كعضو في اتحادها.
التقارب السوري ـ التركي له أيضاً مبرراته لدى الجانب السوري الذي يرى في التقارب مع دولة بحجم تركيا أمرا يحمل العديد من الفرص الإيجابية له. فهذا التقارب من شأنه أن يعزز مكانة سوريا ويبعدها عن العزلة التي حاولت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة دفع سوريا نحوها، فتركيا يمكن أن تصبح بوابة سوريا نحو العالم، لا سيما العالم الغربي.
كما أن التقارب السوري نحو تركيا هو تحرك براجماتي من قبل القيادة السورية، يهدف إلى تحقيق التوازن في المعادلة الخارجية السورية، حيث إن التحالف السوري مع تركيا يمكن أن يوسع من قدرة الدبلوماسية السورية على المراوغة والمناورة، في ما يتعلق بالقضايا ذات الاهتمام والمصلحة السورية. كما أن التقارب مع تركيا هو ضربة موجهة لإسرائيل التي أضرت بعلاقتها مع تركيا، عندما أقدمت على العدوان على غزة وأنهت جهد أنقرة الكبير الذي كانت تقوم به من أجل التوصل إلى تسوية مع السوريين، عبر المحادثات غير المباشرة التي كانت تدور بين سوريا وإسرائيل في تركيا.
فسوريا تود أن تجذب الجانب التركي نحوها وتبعدها قدر المستطاع عن إسرائيل، وهو ما نجحت فيه، حيث إن الانتقادات اللاذعة التي وجهها رئيس الوزراء التركي للعدوان الإسرائيلي على غزة، وتأجيله مجموعة من الأنشطة التي كان من المفترض أن تقوم بين تركيا وإسرائيل، كالمناورات العسكرية الجوية.. كلها أمور تصب في صالح سوريا التي استطاعت أن تولد ضغطاً داخلياً في إسرائيل نحو مسؤولية الحكومة الإسرائيلية في تراجع علاقة إسرائيل مع تركيا، والتخوف الإسرائيلي من أن تقوم تركيا بتنظيم حلف يضم الأطراف الثلاثة: تركيا ـ إيران ـ سوريا.
التقارب التركي ـ السوري يحمل الكثير من الرسائل كما ذكرنا، وهو موجه لأطراف عديدة، ولكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن السياسة الخارجية التركية تسير في أكثر من اتجاه، وهي تثبت مصداقيتها يوماً بعد يوم، في ظل إقليم شرق أوسطي يشغل بال العالم بقضاياه الساخنة التي لا تهدأ. وعلى الجانب الآخر يبدو أن سوريا قد رأت في خلق تحالفات جديدة سبيلا أفضل من السير في اتجاه واحد جلب لها العديد من المشكلات التي كانت في غنى عنها.. فهنيئاً للجانبين بما تم تحقيقه من تعاون استراتيجي عالي المستوى.
كاتبة إماراتية