فيما تواصل إسرائيل رفع سقف تحدياتها على أكثر من صعيد وجبهة ضد الفلسطينيين والعرب، وحتى المجتمع الدولي، يتدهور في المقابل الوضع الفلسطيني، والتشتت العربي والإقليمي على نحو يصادر الحد الأدنى المتبقي من أحلام الناس.

أما عناوين السلوك السياسي والعملي لحكومة نتانياهو، فإنها تتسم بالوقاحة والتطرف والبعد التغيري على الأرض، بما يعقد يوماً بعد الآخر إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام يلبي بالحد الأدنى الحقوق الفلسطينية والعربية.

قبل أسابيع قليلة كان نائب رئيس الحكومة الإسرائيلي سلفان شالوم، قد أعلن عن بدء معركة الاستيلاء على القدس التي تتعرض منذ بعض الوقت إلى أشكال متنوعة من الإجراءات التي تستهدف التآمر على المسجد الأقصى، بعد أن حققت إسرائيل تقدماً كبيراً في مجال تهويد المدينة وتغيير معالمها، وعزلها عن الضفة الغربية وتنغيص حياة سكانها الفلسطينيون لإرغامهم على مغادرتها.

وإلى جانب ذلك تتواصل سياسات الاستيطان، والإعلان عن المزيد من قرارات وإجراءات البناء الاستيطاني، في تحدٍ صارخٍ للإدارة الدولية الجامعة التي لا تزال ترى، ضرورة وقف كل النشاطات الاستيطانية بما في ذلك أغراض النمو الطبيعي، لتحقيق انطلاقة للمفاوضات السلمية.

ومؤخراً عاد نتنياهو، وخلال وجود المبعوث الأميركي جورج ميتشل في إسرائيل، ليشدد على أن السلام غير ممكن بدون اعتراف فلسطيني وعربي بيهودية الدولة، أما وزير خارجيته أفيغدور ليبرمان، فلا يرى أن الظروف ملائمة لتحقيق السلام خلال المرحلة القريبة المقبلة.

ويبدو أن الإدارة الأميركية بعيدة عن أن تحزم أمرها، لإقناع أو إرغام إسرائيل على التكيف مع متطلبات إعادة إحياء عملية السلام، وبعد مرور أكثر من تسعة أشهر على تعيين جورج ميتشل مبعوثاً لإدارة أوباما، قام خلالها بزيارات عديدة للمنطقة دون جدوى.

لا بل أن الإدارة الأميركية التي كان موقفها من ضرورة تجميد الاستيطان أساساً لبلورة موقف دولي جامع من هذه القضية، هذه الإدارة تراجعت عن مواقفها بحيث لم نعد نسمع تصريحات أميركية واضحة بهذا الشأن، ويبدو أن التعنت الإسرائيلي ترك لدى الإدارة الأميركية ميلاً نحو ممارسة الضغوط على الطرف الفلسطيني ليتجاوز هذه العقبة.

في ختام جولته الأخيرة قبل حوالي أسبوع، لم يجد ميتشل ما يقوله سوى أن يدعو إلى واشنطن، وفدين فلسطيني وإسرائيلي لإجراء مباحثات منفصلة، من غير المرجح أن تُفضي إلى نتائج طالما ظل كل طرف يتمسك بمواقفه المعلنة.

الحكومة الإسرائيلية تبني سياساتها على أساس مواقف واستراتيجيات لا تلتقي مع الرغبة الدولية والاستجابة الفلسطينية والعربية لتحقيق السلام، إذ لا يزال نتنياهو يتمسك بالسلام الاقتصادي كهدف لا يتجاوز سقف الحكم الذاتي للفلسطينيين، وهو حين يتحدث عن رؤية الدولتين، فإنه يضع شروطاً تعجيزية لا يمكن تحقيقها.

منظمة التحرير الفلسطينية وعلى لسان أمين سرها ياسر عبد ربه، أعلنت بعد انتهاء جولة ميتشل الأخيرة للمنطقة أنها لن تتنازل عن شبر واحد من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، لتقيم عليها الدولة الفلسطينية، وأن المفاوضات لن تبدأ قبل أن تجمد إسرائيل بالكامل النشاطات الاستيطانية في القدس قبل الضفة الغربية، وإلا فلتذهب عملية السلام ومن يدعو إليها ويعمل من أجلها إلى الجحيم.

الأجواء بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ازدادت تعقيداً بعد أن قرر الرئيس محمود عباس تصحيح خطيئة تأجيل مناقشة تقرير لجنة غولدستون في مجلس حقوق الإنسان العالمي، بالدعوة لانعقاد جلسة طارئة تحققت لها أسباب الانعقاد بما يضاعف القلق الإسرائيلي من إمكانية تحويل التقرير الذي يتهمها بارتكاب جرائم حرب، إلى مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومحكمة الجنايات الدولية.

وبينما يستمر الجدل الصاخب وتسود مناخات الاتهام بالتخوين والتجريم بين الأطراف الفلسطينية المتناحرة والمنقسمة، يعلن نتنياهو من على منبر الكنيست الأسبوع الماضي، عن أن حكومته ستقاوم كل محاولة لتجريم ضباطها، وجنودها وقياداتها السياسية، المسؤولة عن شن العدوان على قطاع غزة، وارتكاب جرائم حرب.

إسرائيل في الواقع لا تجد رادعاً، وهي تستغل إلى أبعد الحدود الانقسام والضعف الذي يعاني منه الفلسطينيون، ولم تنجح حتى الآن مصر في مساعدتهم على وضع حد له. وفي الواقع فإن المشهد الفلسطيني مؤلم ومحزن، ولا ينطوي في المدى القريب على أمل بإمكانية تجاوز حالة الانقسام والصراع والضعف، التي تحد من قدرتهم على مجابهة التحديات الصعبة والخطيرة التي تفرضها إسرائيل على أكثر من صعيد.

في الآونة الأخيرة، وعلى خلفية المحاولات المتكررة من قبل متطرفين يهود لاقتحام المسجد الأقصى وأداء شعائرهم الدينية فيه، ثمة من تساءل عن إمكانية اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة، ذلك أن ما يجري ضد الأقصى يُذكر الجميع باندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000، إثر اقتحام شارون بحراسة رسمية للمسجد الأقصى.

على أن الوضع الفلسطيني هذه المرة، لا يزكي مثل هذا الاحتمال، فعدا عن التأثير السلبي الكبير للانقسام الفلسطيني والصراع الذي يستهلك قوى الطرفين، فإن إسرائيل اتخذت من إجراءات التقييد والعزل، ما يجعل ردود الفعل المباشرة والمؤثرة تقتصر على سكان القدس، وعلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ عام 1948.

وفي الإطار الأوسع، لم تجد نداءات الأقصى والقائمين عليه، لدى العرب والمسلمين استجابات ملموسة وقوية لأعلى المستويات الرسمية وعلى المستويات الشعبية، بالقدر الذي يتناسب مع خطورة ما تتعرض له المدينة المقدسة.

يمكن للبعض أن يستعيض في حديث عن المخاطر، عن الأطراف المسؤولة والمقصرة إزاء حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وأن إسرائيل مسؤولة أو هي المسؤول في الأساس عما تتعرض له المدينة المقدسة.

ولكن الضعف والانقسام العربي مسؤول أيضاً، وتجاهل الأمة الإسلامية لما يجري عامل يضاف إلى المسؤولية والتقصير تجاه الأقصى، أما التجاهل والتواطؤ الدولي مع ما تقوم به إسرائيل فهو العامل المتوفر كل الوقت، ولكن: هل يمكن أن نتجاهل أو نخفي دور الفصائل الفلسطينية، المنقسمة والمتصارعة، من المسؤولية؟

إن الانقسام الفلسطيني وحالة الصراع الداخلي يهدد مصير القضية والشعب الفلسطيني، ويشجع إسرائيل على المضي قدماً في مخططاتها، ويجعل العرب والمسلمين والحلفاء الدوليون أقل تحمساً وأقل قدرة على دعم أكثر من خطاب واستراتيجية وجهة فلسطينية.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com