لإسرائيل باع طويل وتجربة عريضة في استخدام الإعلام الدعائي وعمليات التسميم السياسي بين أدوات سياستيها الداخلية والخارجية. كثير من الأدبيات العربية وغير العربية الموصولة بشروح وتنظيرات التأثير في الرأي العام وتصنيع الاتجاهات والمواقف الفكرية والسياسية، تُفرد أبواباً تستطرد فيها لهذه التجربة..
وغالباً ما يستبطن هذا الاستطراد الإعجاب بها أو الرهبة منها والدعوة لاستلهام دروسها!. هذا، في حين يقرن البعض انبهارهم بالتجربة بالتحذير من الوقوع في حبائلها وألاعيبها «الجهنمية» بزعمهم.
إذا عزلنا الهالة التي صنعتها الدعاية الإسرائيلية بخلفيتها الصهيونية لنفسها بنفسها، وآمن بها ضعاف النفوس والحصون الثقافية، نجد أن هذا النموذج في حقيقته أقل شأناً مما يشاع عنه بكثير.
وللمشككين في هذا الاعتقاد أن يعتنوا بمظاهر الفشل الصهيوني الثقافي الإعلامي الدعائي في اختراق الدفاعات وأجهزة المناعة التراثية لأكثر من مليون عربي فلسطيني، يخضعون لسيطرة إسرائيل بالكامل منذ 1948. هذا علاوة على السقوط والفشل الموازي في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967.
وتشهد بذلك فعاليات الانتفاضتين الكبيرتين، اللتين اضطلعت بهما أجيال ولدت وشبت وربت في ظل الاحتلال الإسرائيلي وتحت عينه وسطوته الدعائية على مدار الساعة.
القصد أن انبهار البعض بهذه التجربة الإعلامية الدعائية وإنشدادهم إليها بشكل تلقائي مسبق، أو عن تأثر بمتابعة نجاحاتها وتكبير لحجم إنجازاتها، لا ينبغي أن يصرفنا عن مقاربتها موضوعياً دون تهويل أو تهوين.
والواقع أن قطاعا من الصهاينة الإسرائيليين الأقحاح يأخذ بالفعل بهذه المقاربة.. فلا يغالي في تعظيم الذات وينحو إلى معالجة بعض من أهم القضايا سخونة لدى إسرائيل بشكل حقيقي خال من دسم الأكاذيب والمراوغات.
لنتأمل في هذا السياق، المناقشات والمناظرات التي يجهر فيها هؤلاء الواقعيون بمخاوفهم وشكوكهم وهواجسهم وتوقعاتهم المتشائمة إزاء حاضر كيانهم ومستقبله.. لنتأمل كيف يبوحون بآرائهم المتشائمة حول استشراء العنف والجريمة المنظمة والعشوائية، والانحلال القيمي واسع النطاق، والفساد المالي والإداري والسياسي المتغلغل من رأس «المجتمع» إلى أخمصه.
وضعف الإقبال على العمل المادي الجاد وضمور مفهوم النحت في الصخر لصالح تفشي طموحات الكسب السريع والعيش الهانئ بأية وسيلة.. وذلك بغض النظر عن سلبيات هذه السلوكيات ومعاكستها للصورة التي خطها وأرادها ومجدها الآباء المؤسسون الأوائل للدولة الصهيونية.
بل وهناك من يسخر من هذه الصورة. ثمة في إسرائيل من تنبهوا وفطنوا إلى أن مستجدات العصر وتواتر السوابق ما عادت تسمح لدعايتهم «الجبارة» بالاستمرار في تزييف الأمور..
وأن التعامل مع الحقائق كما هي بعد الاعتراف بها، ومصارحة الرأي العام الداخلي والخارجي بما يدور من حول هذه الدولة أفضل من التورية عليها أو إنكارها أو تحريفها.
من الأمثلة اللافتة في هذا المضمار ما ذكره أفرايم سنيه نائب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، أثناء جولة خارجية دعائية لاستقطاب التعاطف مع دولته ضد «الخطر الإيراني».. إن أكثر الأسباب التي تحمل الإسرائيليين على منع التسلح الإيراني النووي أنه في ظل هذا التسلح سوف تتوقف الهجرة لإسرائيل وستهاجر منها العناصر الشابة القادرة على متابعة مستقبلهم في أماكن يرونها آمنة وستقل الاستثمارات فيها وتتعرض لضغوط المعتدلين في المنطقة الذين سيتخذون مواقف متشددة تجاهها». العبرة هنا أن المسؤول الإسرائيلي بسط على الملأ وبلا مواربة الهواجس الإسرائيلية الحقيقية من وراء قضية التسلح النووي الإيراني..
حدث هذا البوح الصريح في إطار مهمة موصوفة بالدعائية. معنى ذلك أن هذا المسؤول استهدى بالمنهجية الواقعية حتى النخاع، إما لعجزه عن تخبئة الهواجس وقصور في ملكته الإعلامية الدعائية، وإما لأنه ينتمي لفريق الواقعيين الذين يميلون إلى مواجهة الحقائق كما هي.
وفي كل حال، فان صراحة سنيه تثير التساؤل عن صدقية غيره من الساسة الإسرائيليين المتنمرين الذين يهونون من قدرة البرنامج النووي الإيراني على تهديد دولتهم وقض مضاجع مستوطنيها.. أولئك الذين يروجون لزعم أنهم يوشكون على مباغتة هذا البرنامج عسكرياً والخلاص من خطره، وأنه لا ينقصهم لتطبيق قرارهم بالخصوص سوى إصدار الأمر وشارة الانطلاق.. مع ان المسألة أعقد من ذلك بكثير.
الشاهد أننا إزاء حالة إعلامية دعائية إسرائيلية هي في أحسن الفروض تشير إلى ارتباك بالغ وفي أسوأها تعبر عن الفشل. لكن مداخلة سنيه لا تخلو ـ لمن أراد الفهم بإمعان ـ من دلالات. فهي تشي بالكيفية التي يتعاطى بها «المجتمع الاستيطاني» مع احتمال «الخطر المحلق الضاغط بشكل حقيقي».
المجتمعات العادية لا تفكر بالأسلوب الذي يطرحه هذا المسؤول. لا أحد من الفلسطينيين والعرب تراوده فكرة الهجرة من الوطن لمجرد أن إسرائيل بكل عدوانيتها وشراستها تملك بالفعل لا بالظن السلاح النووي. ولا يفكر أكثر العرب اعتدالاً بأنه يجب الاستسلام لشروط إسرائيل لكونها دولة نووية.
بل إن العرب خاضوا أوسع حروبهم الدفاعية والتحريرية ضد هذه الدولة وهم يعلمون بحقيقتها النووية. أما الإسرائيليون فلهم رأي آخر ينطلق من كونهم مستجلبين غير متجذرين ويحملون الوطن في حقائبهم وجوازات سفرهم، لا في قلوبهم وبين جوارحهم.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
